عند دخول حي الشجاعية تشعر كأنك دخلت مقبرة جماعية اختلطت فيها أشلاء الشهداء بركام البيوت التي تحولت إلى قبور لأصحابها.
مع توقف عقارب الساعة عند الثامنة صباحا - الموعد المحدد للهدنة الإنسانية بقطاع غزة - انطلقت طواقم الإسعاف والدفاع المدني وسكان حي الشجاعية باتجاه منازلهم بحثا عما تبقى من حياة.
كلما اتجهت شرقا تتلاشى مقومات الحياة تدريجيا ، ولن ترى سوى طبقات منازل سويت بالأرض، وحجارة متطايرة في الطرقات اتكأت عليها أعمدة الكهرباء، ولم يتبق متسعا لسيارات الطواقم الطبية والدفاع المدني للدخول إلى مناطق باتت مجهولة المعالم.
على مدار أسبوع مضى, لم يتمكن الدفاع المدني من تلبية استغاثات المواطنين في حي الشجاعية، الذين انهالت عليهم القذائف المدفعية وصواريخ الطائرات الحربية وأثخنتهم قتلا وتدميرا، حينها اضطر قاطنوه من لملمة جراحهم، والزحف بمصابيهم تجاه مدينة غزة وترك جثامين الشهداء خلفهم في المنازل.
في الشجاعية يخيم السكون على المنازل المدمرة ولن تسمع سوى أصوات طائرات الاستطلاع التي تغطي سماء المنطقة، ونحيب أمهات وآباء وقفوا أمام أطلال منازلهم التي كانوا قد تركوها سالمة.
إحدى المسنات التي تمترست على أطلال منزلها، تقول لـ"الرسالة نت": " شردنا تحت القصف قبل أسبوع، رجعت أشوف داري، ما لقيتها، شقا عمرنا راح، لكن الحمد لله انا بخير".
كل منزل في الشجاعية يحمل تحت ركامه حكاية ، ففي إحدى المنازل التي دخلها مراسل "الرسالة" تمكنت طواقم الإسعاف من انتشال الشهيد محمد الغماري بعد أسبوع قضاه بين أنقاضه، فيما منزل عائلة الحلو المجاور بقي ساكنوه الشهداء راقدين بداخله دون أن يتمكن أحد من إخراجهم.
وكأن المقبرة الشرقية المطلة على حي الشجاعية والمخصصة لدفن أموات مدينة غزة لم تعد تتسع للعدد الكبير من الشهداء، فاستبدلت القبور بركام المنازل التي احتضنت أصحابها.
رائحة الموت تفوح من منازل الشجاعية التي احتضنت بداخلها أشلاء أبنائها، واضطر الباحثون عن الجثث لارتداء كمامات واقية، على أمل ان يتمكنوا من انتشالهم بعد مضي أسبوع على استشهادهم.
عدد من ذوي الشهداء تحدثوا لـ"الرسالة نت" بأن عددا كبيرا من أبنائهم لا زالوا تحت الركام، ولم يتمكنوا من إخراجهم حتى اللحظة بسبب انهيار مباني من عدة طوابق فوقهم، فيما عدد آخر تفحمت جثتهم نتيجة النيران التي اشتعلت في مساكنهم بعد دكها بالقذائف الحارقة.
شاهد عيان في شارع النزاز بحي الشجاعية أكد أن جثة شهيد ذابت بأحد المنازل بعدما أصابتها قذيفة مدفعية بشكل مباشر.
طواقم الدفاع المدني التي تواجدت بين المنازل المدمرة قالت لـ"الرسالة نت" أنه ليس بوسعها سوى انتشال من يمكن إخراجه وذلك بسبب عدم امتلاكها لأي من المعدات، أما الشهداء الذين تغمرهم طبقات الاسمنت فلا يمكن إخراجهم في هذا الوقت القصير من التهدئة التي تنتهي خلال ساعات.
وأضافوا "نحاول مساعدة المواطنين في إخراج جرحى إن كان هناك أحياء، أو انتشال بعض ممتلكاتهم، ومن استشهد باتت روحه عند بارئها".
وتمكنت الطواقم الطبية حتى كتابة هذا التقرير من انتشال أكثر من ثلاثة وثمانين شهيدا من المناطق الشرقية لقطاع غزة.
وخلال بحث "الرسالة نت" عن مراحل تحلل جثث الموتى توصلت إلى بيانا تقريبيا وضعه الدكتور محمد سليمان يقول فيه ، بعد مضي 24-36 ساعة على الوفاة تظهر بقع خضراء في جدار البطن، حول "السرة"، كما یظهر كثیر من الأوعیة الدمویة المتشعبة في جلد البطن والصدر، وتسیل مقلة العین، وتتعتم القرنیة.
وبعد یومین إلى خمسة أیام یظهر الزبد المدمى من الفم والأنف، وینتفخ البطن والصفن، وینتشر اللون الأخضر في كل جلد البطن والصدر، وتظهر النفطات الغازیة، تحت الجلد، وینتفخ الوجه والجسم كله بالغازات المتجمعة تحت الجلد، وتبرز العینان، واللسان، وتختفي ملامح الوجه، وتنبعث من الجثة رائحة كریهة، من الغازات المتصاعدة.
غابت ملامح الحياة في الشجاعية إلا من عصفور بقي يئن في قفصه، وارتفع صوته عندما عاد إليه "صديقه" الذي فقد منزله وفرح برؤيته رغم مرارة الدمار.
كنا هناك ، كنا في حي يسمى الشجاعية ، غابت مبانيه وبقي ركامه شاهدا على شجاعة أهله.