تحتاج المقاومة لأي قوة غازية ومعتدية إلى تنسيق وتعاون مستمرين؛ وذلك لأن العدو المحتل لا يستهدف فئة بعينها؛ بل هو يطال الجميع بعدوانه وجبروته، وهذا هو الواقع المشاهد دوما في كل التجارب العدوانية، سواء كانت في التاريخ القديم أم في واقعنا المعاصر.
فمثلا عندما اجتاح التتار بلاد المسلمين في منتصف القرن السابع الهجري هاجموا كل شيء ولم يفرقوا بين صنوف الناس، فالكل عندهم كان مستباحا، حتى وصل عدد الضحايا كما أورد المؤرخ ابن كثير في كتابه (البداية والنهاية) إلى حوالي مليونين.
وعندما ضربت الولايات المتحدة الأمريكية القنبلة النووية في 6آب من العام 1945م مدينة (هيروشيما) فقتلت سبعين ألفا من المدنيين، ثم أتبعتها في 9 آب من العام نفسه مدينة (ناجازاكي) فقتلت حوالي خمسين ألفا آخرين .
لم تفرق أمريكا هنا بين صنوف الشعب الياباني، فالكل كان مستهدفا والقنابل النووية لم تنتق فصيلا بعينه دون آخر.
المقاومة الفلسطينية مثلها مثل أي قوة مقاتلة للغزاة، تحتاج إلى تنسيق عالٍ وتعاون مستمر، فهي تقاتل جيشا متفوقا يعد تريتيبه رقم 13 على العالم والأول في الشرق الأوسط من حيث قدراته الجوية والبرية والنووية، وغيرها من صنوف الأسلحة
وذلك بالإضافة إلى ما يمتلكه من قوة التحالفات، وخاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية التي تمثل القوة الأولى في العالم، التي ارتأت منذ العام 1967م أن تشكل حلفا استراتيجيا عميقا معه؛ بعدما رأت التفوق النوعي لجييشها على ثلاثة جيوش عربية هي : مصر وسوريا والأردن، حتى عبر عن ذلك أحد السياسيين الأمريكيين بأن إسرائيل تعد حاملة طائرات برية لأمريكا .
لذا فإن استراتيجية المقاومة الفلسطينية يجب أن تقوم القدرة العالية على التنسيق؛ و ذلك من أجل تحقيق توازن الرعب المطلوب لصد هذا الكيان الصهيوني عن عدوانه، وذلك لأن جموع الشعب الفلسطيني كله دون استثناء هو هدف مستباح له، ولا تفرق الطائرات والقنابل بين فصيل وآخر، وهذا التنسيق يمكن إجماله فيما يلي:
1 – التعاون المستمر في صد العدوان والاجتياحات فلا ينبغي أن يتقاعس أحد الفصائل المقاومة عن دوره أو يظن أنها ليست معركته، فالعدوان سيطال الجميع ولا منجاة لأحد من فتكه.
2 – التعاون المتواصل والمتبادل في مجال التسليح والتصنيع، فكما قال أحد الخلفاء المسلمين لسحابة يخاطبها من قبيل الكناية: " امطري حيث شئتي فإن خيرك راجع إلي" فقوة المقاومة لأي فصيل ستعود على الكل الفلسطيني.
3 – الخطاب الإعلامي يجب أن يكون موحدا، فمن غير المعقول أن تخرج الفصائل بخطابات مشتتة واحدها يريد المجابهة، والآخر يعقد هدنة فهذا يعد من قبيل الفرقة التي تضعف الجميع.
4 – التركيز على قضايا الإجماع الوطني من أجل صياغة مفهوم المصالح الفلسطينية، مثل: تحرير الأسرى وحق العودة للاجئين، وتحرير القدس وصد العدوان ورفع الحصار، فهذه تعد من المسلمات لكل فلسطيني في الداخل والخارج.
من خلال ذلك وغيره تستطيع المقاومة الفلسطينية بكل توجهاتها ومكوناتها أن تحقق أعلى درجات التنسيق الفعال، الذي سيهدف في النهاية إلى تحقيق مصالح الجميع دون استثناء.
الاحتلال دوما في كل زمان ومكان كما يحتاج لقوته الغاشمة لفرض سيطرته على البلد التي يحتلها، فإنه بحاجة أيضا لمن يعاونه ويقف لجنب في ثلاثة اتجاهات رئيسية:
أولهما : جمع المعلومات والاستدلال الاستخباري ورصد كافة تحركات المقاومة وإحباط عملياتها.
ثانيهما: المشاركة بقوات منتخبة في عمليات المطاردة والدّهم لرجال المقاومة وعمليات المحاصرة والتضييق.
ثالثهما: إسناد بعض المناطق التي تعج بالسكان غالبا من الأراضي المحتلة بما يسمى الحكم الذاتي؛ وذلك لتتخلص قوات الاحتلال من عبئها للتفرغ إلى مهام أخرى .
وبالنسبة لما يحدث في أتون الصراع الصهيوني العربي في فلسطين فإنه يسعى دوما لإنتاج هذه التشكيلات المارقة وطنيا ودينيا وأخلاقيا التي تسانده في السيطرة على المناطق المحتلة في فلسطين ولبنان والجولان
فقد استعان في جنوب لبنان إبان الثمانينات بميليشيات (أنطوان لحد) وعمل على إنتاج ما يسمى باتفاقية أوسلو عام 1993م التي سمحت لقيام أجهزة أمنية في غزة وأريحا تحكم بطريقة الحكم الذاتي تحت سيطرة الاحتلال الصهيوني
وإنشاء ما يسمى بالقوات المشتركة بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية والصهيونية التي تشارك في ملاحقة المقاومة الفلسطينية والقضاء على أنشطتها ورفد الشاباك الصهيوني ومخابراته بالمعلومات التي تؤدي إلى كشف معلومات تخص المقاومة الفلسطينية .
هذا ما يجب على المقاومة الفلسطينية مقاومته والقضاء عليه تماما، وعدم السماح لأي كان من التنسيق الأمني مع الكيان الصهيوني؛ بل وردع كل من تسول له نفسه في ذلك.