وسط تواطؤ وزارات

ذوو إعاقة حركية بغزة يحرمون من المواصلات المتخصصة

ذوو إعاقة حركية في غزة يحرمون من المواصلات المتخصصة
ذوو إعاقة حركية في غزة يحرمون من المواصلات المتخصصة

الرسالة نت-ميرفت عوف

قبل أربع سنوات، دخلت إلى قطاع غزة 174 سيارة مجهزة لخدمة المعاقين حركيا عبر قوافل فك الحصار، لترفع معاناتهم وتوفر سبل الحياة الكريمة لهم، لكنها لم تصل إلى هذه الشريحة أو الجمعيات التي تعنى بخدمتهم،  بل بيعت كسابقاتها أو منحت لوزارات وبلديات للتعامل مع واقع ما بعد الحصار الذي منع دخول جميع أنواع المركبات باستثناء سيارات الإسعاف.

نتيجة لذلك، يرزح 75% من ذوي الإعاقة الحركية البالغ عددهم 20 ألفاً تحت وطأة السجن في بيوتهم، أو في 80 مركز رعاية وجمعية مختصة منتشرة في غزة، لعجزهم عن استخدام المواصلات العامة. وفق تقديرات مركز الإحصاء الفلسطيني.

الطالب عبد الكريم الجرناوي مثلاً، مصاب بشلل نصفي منذ عام 2006، ويحتاج لأربع ساعات (ذهابًا وإيابًا) لقطع مسافة 12 كم أربع مرات أسبوعيًا؛ كي يصل الكلية الجامعية في غزة حيث يدرس المحاسبة.

الجرناوي، البالغ 23 عامًا، عندما يتجه إلى موقف السيارات في مخيم "النصيرات" حيث يقيم، يركب كرسيه المتحرك "الكهربائي"، ويجرّ خلفه كرسيه المتحرك "العادي". سبب هذا التبديل أنه لا يوجد سيارة "خدمة معاقين" مزودة بالأدوات اللازمة لرفعه ونقله، ولا سيارة أجرة تتسع لكرسيه الكهربائي، وهو مضطر لاستعمال الكرسيين كي يمرّ بسهولة في الطريق الترابية بين بيته وموقف السيارات وفي أروقة الكلية.

"

مختص بشؤون ذوي الإعاقة: المسؤولية تقع بشكل أكبر على "الداخلية"

"

يزيد ألم هذا الشاب كثيرا عندما يرى السيارات "المؤهلة" لنقل المعاقين تصطف أمام الجمعيات وقد وضع عليها لافتة "للبيع".

معاناة الجرناوي، كغيره من ذوي الإعاقة الحركية، تعود إلى أن غالبية المركبات المجهزة التي أدخلت إلى قطاع غزة اما بيعت لأفراد بعد "تشليحها" من آليات تحميل وتنزيل ذوي الإعاقة الحركية وتغيير صفة استعمالها أو استحوذت عليها مؤسسات رسمية بموافقة الوزارات المعنية.

أما المؤسسات الرسمية المسؤولة عن توزيع هذه السيارات، فتستخدمها لأغراضها، ولا تراقب عملية تحويل الملكية لبعضها، جراء ثغرات في قانون المعاق الفلسطيني لسنة 1999 وقانون الجمعيات الخيرية لسنة 2000. 

وسط ذلك، يشكو 89.9% من ذوي الإعاقة، بشكل عام البالغ تعدادهم 40 ألفاً، أنهم لا يجدون مركبات تنقل خاصة، وأكثر من 75% منهم لا يستطيعون استخدام وسائل نقل عامة، بحسب تقرير احصائي صدر عام 2012.

وتشكّل نسبة الإعاقة بين جرحى حرب الفرقان، (العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2008 والبالغ عددهم 1699 جريحًا) 4.25 % من ذوي الإعاقة في غزة.

تقديرات غير رسمية

رصدت معدة التحقيق، بناءً على مقابلات مع مسؤولي قوافل فك الحصار. أعداد المركبات المخصصة لنقل ذوي الإعاقة الحركية القادمة للقطاع، في ضوء عدم توفر إحصائية رسمية بشأنها.

وتبيّن أنه خلال العامين 2011 و2012 أدخلت 174 سيارة خاصة بذوي الإعاقة الحركية: (أميال من الابتسامات 14-6-2012) و(الوفاء 17-12-2012).

ورصدت مراسلة "الرسالة" -ايضا- 10 سيارات "مؤهلة" لنقل ذوي الإعاقة عبر أرقام لوحاتها، تبيّن بالتقصي أنها تجوب شوارع غزة في غير غايتها الأساسية.

من بين المركبات العشرة، فإن سيارتين مؤهلتين تحملان رقمي؛ (3-0229-50)، (3-0227-50) تقلان إداريي وزارة التربية والتعليم. الا أن موظفاً في الوزارة -فضل عدم ذكر إسمه- اكد أنهما تقلان طلبة جمعية النور للمكفوفين (حكومية)، نافياً تخصيصهما لنقل الموظفين.

الدفاع المدني، مكان آخر رصدت فيه مثل تلك السيارات، حيث وصلت إليه سيارتان مؤهلتان من وحدة الإمداد المركزي بمجمع أبو خضرة الحكومي.

أحد كوادر الدفاع المدني - رفض الكشف عن إسمه- قال إن السيارتين اللتين أحضرتا ضمن قافلة النائب البريطاني المعارض جورج غالاوي غير فاعلتين لهم، ويطمحون إلى استبدالهما قريباً".

"

"الشئون الاجتماعية": يوجد فجوة بين عمل الجمعيات والوزارة

"

بجوار مبنى مديرية الدفاع المدني، عاينت معدة التحقيق وجود "جك" لخدمة مركبات المعاقين ركن في إحدى الزوايا، وقد اعتلاه الغبار وتهالك معدنه بفعل الصدأ، هذا "الجك" تقدم ذوي الشاب أمير عنان (20 عاماً مصاب بضمور في العضلات) بطلب لشرائه من الدفاع المدني لتركيبه على متن سيارة يملكونها، قوبل بالرفض لعدم وجود صلاحية بذلك لدى الدفاع المدني.

تتبعت معدة التحقيق قيام جمعيات تعنى بشؤون ذوي الإعاقة ببيع سيارات مؤهلة أو التخلص من أجزائها وأدواتها المساعدة، بحجة عدم توافر ميزانية لتشغيلها.

يتمّ ازالة المصعد الكهربائي للمركبة (جهاز تحكم ينزّل إلى الأرض لحمل المعاق داخل السيارة بكرسيه المتحرك)، يُعرف محليًا بـ"الجك". ويتم بيعه على أنه "خردة" بثمن بخس 4000 شيكل (1000 دولار)، في حين أن سعره عندما يكون موجودًا بالسيارة 7000 دولار.

توصلت معدة التحقيق الى أمثلة لمؤسسات تستغني عن الأجهزة المضافة لسيارات ذوي الإعاقة وهي: الإتحاد العام للمعاقين وبلدية الوسطى، اللتان برر المسؤولون فيهما ذلك "ارتفاع كلا من تكلفة الصيانة، وراتب السائق ، والوقود".

أين تذهب السيارات؟

وزارتا المواصلات والداخلية وزّعتا عدداً من المركبات المخصصة لذوي الإعاقة على مؤسسات حكومية، بعد تغيير هيكلها لتصبح "عادية الاستخدام"، وخاصة خلال فترة منع الجانب المصري (2007-2011) دخول أي من السيارات إلى القطاع إلا لذوي الحالات الإنسانية.

وفي بعض الحالات سلّمت تلك الوزارات، جمعيات ذوي الإعاقة مركبات مؤهلة لكن دون مراقبة لآلية استخدامها في نقل ذوي الإعاقة الحركية(...) بعضها بيع لاحقًا للتجار منزوعة من جهاز رفع ذوي الإعاقة "الجك".

الشاب فضل شوبكي (29 عامًا) روى لمعدة التحقيق، كيف حصل على سيارة مؤهلة: "بينما كنت أمر بالقرب من إحدى جمعيات المعاقين، لفت نظري مركبة رُكنت وكانت في وضع يُرثى له، تمكّن أخي من شرائها من المؤسسة بقيمة 7 آلاف دولار قبل عامين، وقمنا بإعادة صيانتها حتى تُصبح مناسبة للعمل، واستخدمها حالياً في توزيع المواد التموينية على البقالات نظراً لاتساع المركبة من الداخل الذي يساعدني لوضع أكبر كمية من البضائع فيها".

يبرر الرجل شراء مركبة كانت مخصصة لأن تُقلّ سبعة من ذوي الإعاقة إلى أماكن عملهم بالقول: "لم تكن المركبة في وضع جيد. نحن من أصلحناها، كانت مركونة بلا نفع عام أو خاص".

توصلت معدة التحقيق إلى أبو المعتصم (45 عامًا) الذي يملك إحدى المركبات المؤهلة لنقل المعاقين اشتراها عام 2012 من إحدى بلديات المنطقة الوسطى، ثم حولّها لسيارة نقل طلاب مدارس نظرًا لسعتها الجيدة.

يقول أبو المعتصم: "عندما حصلت عليها كانت رخصتها تنص على أن الحمولة ستة ركاب، ثم اضطررت لتغيير الهيكلية وإضافة بعض الكراسي عند الميكانيكي لتصبح الحمولة 10 ركاب، وبموافقة وزارة المواصلات".

في مقر البلدية التي باعت تلك السيارة المؤهلة، قال أحد الموظفين -رفض الكشف عن اسمه- إن "إحدى الوزارات زودت البلدية بهذه المركبة وطلبت منها تسليم (الجك) إلى "المواصلات".

وكي تتمكن البلدية من البيع حصلت على "إذن بيع" من وزارة الداخلية، حيث ينص قانون الجمعيات على جواز البيع لأي شخص أو مؤسسة في حالة تقديم مبررات مقنعة لذلك، الأمر الذي أكدته مصادر في البلدية.

وعن أسباب البيع أوضح موظف البلدية ( في اتصال هاتفي أجري معه في 582013) : "بعد عام من استخدامها في نقل الموظفين وتلبية خدمات البلدية قررنا بيعها؛ لأنها لم تعد تناسبنا من حيث السعة والإمكانيات على أمل أن نأتي بأفضل منها".

"

مستشار قانوني: المفروض أن تلزم "الداخلية" الجمعيات باستخدام المركبات المؤهلة

"

رئيس الإتحاد العام للمعاقين عوني مطر اقر بدوره أنه كمسؤول في واحدة من أبرز الجمعيات المعنية بشؤون ذوي الإعاقة حصل على مركبة من "المواصلات" وكانت منزوعة "الجك والجير".

واوضح مطر (في مقابلة خاصة بمقر الاتحاد في 882013) أنه اضطر لعرض المركبة للبيع قائلاً: "عانينا كثيرًا لإصلاحها، ثم أصبحت عبئاً على المؤسسة لان تكلفتها فوق طاقتنا حيث يزيد راتب السائق والصيانة عن 3000 شيكل شهريًا". وللتخلص منها قدَّمنا طلبًا لوزير المواصلات الذي بدروه وافق على بيعها.

كيف تجري الصفقات؟

توصل هذا التحقيق إلى أن وزارتي الداخلية و"النقل والمواصلات" تعمدان إلى تغيير هيكلة غالبية المركبات - القادمة على شكل تبرعات من متضامنين في الخارج- ثم تبيعها في السوق أو توزّعها على الدوائر الحكومية لتستخدم في نقل الموظفين. كما تشترك جمعيات خاصة في بيع ما يصلها من مركبات على حساب رسالتها الإنسانية، متذرعة بعدم قدرتها على تحمل تكاليف تشغيلها وصيانتها، تاركة المنتفعين دون وسائط نقل متخصصة. 

وتحمّل "الداخلية" و"والمواصلات" مسؤولية متابعة عمل تلك السيارات في نقل ذوي الإعاقة والتحقق من وجود الأدوات المتخصصة بهذه الشريحة. لكن "المواصلات" اكدت من جانبها أن مهمتها تنحصر بالرقابة على تلك الجمعيات، فلا تشمل كيفية استخدام السيارة. أما وزارة الشؤون الإجتماعية فتعزو المشكلة إلى فجوة في صلاحيات الوزارات أدت إلى قيام جمعيات بمشاريعها بعيدًا عن الرقابة الرسمية.

وحول كيفية إجازة "الداخلية" بيع تلك المركبات، قال المختص بشؤون ذوي الإعاقة ظريف الغرة (مقابلة أجريت معه في مركز الهمم الشبابية بتاريخ 532014) : "تعتبر الجمعيات هذه السيارات عبئاً، فتتقدم بطلب البيع للوزارة التي لا تدرك أهمية مواصفات السيارة، وطالما أقر مجلس الإدارة بالجمعية البيع والتزم بإعلان ذلك بالصحف وبمواصفات المزادات، تتم الموافقة".

تتقاسم مسؤولية الأزمة التي يعانيها ذوي الإعاقة وزارتي الداخلية والمواصلات، لكنها تقع بشكل أكبر على الاولى، لأنها هي من تمنح تلك الجمعيات التراخيص وسيارات الجمعيات مسجلة لديها ضمن الأصول الثابتة للجمعيات. كما أنها مسؤولة عن المراقبة المالية والإدارية على تلك الجمعيات. أما وزارة المواصلات فتشارك في جزئية محدودة، وهي منح ترخيص لهذه السيارة أو إعفائها جمركياً. بحسب المختص الغرة.

وفقاً لما تم التحقق منه، من المدير العام للإدارة العامة للشؤون العامة والمنظمات غير الحكومية بالداخلية، ثروت البيك، لم تصدر خلال السنوات الخمسة الماضية أية أحكام نتيجة مخالفات تتعلق ببيع سيارات مؤهلة من الجمعيات كون البيع يتم بإذن من الوزارة.

قانون الجمعيات الخيرية والهيئات الأهلية رقم (1) لسنة 2000 يعرّف "الوزارة المختصة" بأنها وزارة الداخلية لذا فهي المسؤولة عن معاقبة الجمعيات في حال الإخلال ببنود القانون.

"

"المواصلات": يوجد تقصير وخلل في متابعة كيفية استخدام المؤسسات التي حصلت على هذه السيارات

"

ووفق البيك (الذي التقيناه في مكتبه بوزارة الداخلية في 20 مايو 2013 ) ، فإن الوزارة تلزم الجمعيات بالحصول على أذن منها عند بيع أي شيء تملكه.

وأضاف " إذا ألزم المتبرع المؤسسة بأن تخصص المركبة لنقل المعاقين حركياً، ثم خالفت الجمعية هذا الشرط؛ فإنها تحوّل إلى التحقيق".

بالبحث والتقصي من قانونيين ومسؤولين بقضايا ذوي الإعاقة لم يعثر على سابقة أو وثيقة عن تلقي أي شكوى أو محضر بهذا الخصوص، ولم يحدث ولو مرة واحدة أن حققت النيابة أو الوزارة من صحة مبررات البيع التي تبديها المؤسسات، وبالبحث والتقصي في ملفات النيابة والجمعيات لم يتم العثور  أيضا على أي دليل أو سابقة أو وثيقة عن تلقي النيابة أي شكوى بهذا الخصوص.

"العدل" تلقي بالكرة في ملعب "الداخلية"

يلقي المساعد القانوني في وزارة العدل شعبان المبيض باللوم على "الداخلية" باعتبارها المسؤولة عن إلزام الجمعيات باستخدام المركبات المؤهلة في نقل ذوي الإعاقة الحركية استخدامًا مجديًا.

وقال المبيض (الذي التقيناه في مقر اتحاد المعاقين بتاريخ 592013 ) : "إن عملية بيع السيارات المخصصة لذوي الإعاقة في الغالب تتم بموافقة مجلس إدارة الجمعية ووزارة الداخلية، ولكن إذا اكتشف أن الامر تم دون علمهما وعلى مسؤولية أحد موظفي الجمعية، فإن هذا يعد مخالفة قانونية يستدعي قيام الوزارة بتحذير الجمعية لتسوية الأمر خلال ثلاثة شهور، وإذ لم يتم ذلك تُحلّ الجمعية أو يعاقب الشخص الذي باع".

"لا يوجد قانون يفرض استخدام تلك السيارات فيما خصصت له، فالأمر يقتصر فقط على معاقبة من يبيع تلك السيارات دون أذن من وزارة الداخلية"، على ما أكده المبيض.

واوضح أن هذا يعد "جنحة" يمتد فيها السجن من أسبوع إلى ثلاث سنوات. وقد يحدث أن يبيع المسؤول المركبة ويتفق مع المشتري أن تبقى مسجلة باسم الجمعية، وهذا يعني أن كلا الطرفين "سيء النية"، حسب تعبير المبيض. 

ودعا "الداخلية" إلى إلزام الجمعيات باستخدام المركبات المؤهلة في نقل ذوي الإعاقة، رغم أن القانون الفلسطيني لم ينص على ذلك.

النقل والمواصلات تنفي

المدير العام للشؤون الفنية بوزارة المواصلات، المهندس حسن عكاشة، المسؤول الأول عن منح الموافقة لتغيير هيكلية المركبات، نفى الاتهامات التي وجهت لوزارته بانها تساهم في تغيير هيكلية المركبات المؤهلة من خلال ازالة الأدوات المساعدة في الرفع والتثبيت للسيارة المسلمة للبلدية.

"

"الداخلية": لم نصدر خلال السنوات الخمسة الماضية أية أحكام نتيجة مخالفات تتعلق ببيع سيارات مؤهلة.

"

وقال عكاشة: "من تواصل معنا للحصول على هذه الأجهزة المساعدة التي تضاف لسيارات ذوي الإعاقة نقول له: تفضل، تلك الأدوات توجد في مخازن الحكومة، مفكوكة عن المركبات المؤهلة، بعد أن استغنت عنها مؤسسات ذوي الإعاقة بمحض إرادتها".

وأضاف: "نرحب بأي مؤسسة تريد تغيير هيكل المركبة ليكون مؤهلاً لذوي الإعاقة، أما عكس ذلك فلا يتم الاستئذان منا". إلا أن عكاشة اقر بوجود تقصير وخلل في متابعة المؤسسات التي حصلت على هذه السيارات وكيفية استخدامها والتصرف بها.

فجوة بين "الشؤون الاجتماعية" والجمعيات

ووفق قانون الجمعيات الفلسطيني تقع مسؤولية متابعة عمل الجمعيات إداريًّا وماليًّا ومهنيًّا وفنيًّا على عاتق وزارة الشؤون الاجتماعية في غزة.

وفي هذا السياق اقر المدير العام -السابق- للجمعيات في الوزارة، أسامة شرف، بوجود فجوة بين عمل الجمعيات والوزارة بسبب سياسة ما أسماه "العهد الماضي" (أي قبل سيطرة حماس على القطاع عام 2007)، هذه الفجوة أدت - كما قال- إلى قيام الجمعيات بمشاريعها بعيدًا عن الوزارة، وضرب مثالاً على ذلك: "عندما تستلم الجمعية مركبة من جهة داعمة لا نكتشف الأمر إلا إذا لجأت إلينا للتخليص الجمركي"!

وشدد شرف على أنه في حالة الإبلاغ عن جمعيات تبيع المركبات المؤهلة لتجار أو غيرهم تقوم الوزارة برفع الأمر إلى "الداخلية" لمعاقبتها.

معاناة مستمرة

جمعية السلامة الخيرية لرعاية الجرحى وذوي الإعاقة الحركية، من أحوج المؤسسات لمركبات مؤهلة، هذه الجمعية مسجل بها 12 ألف جريح، بينهم 750 يعانون من إعاقة حركية، ويحتاج 1200 من أعضائها لمراجعات طبية وزيارات إلى عيادات ومراكز علاج طبيعي.

مسؤول العلاقات العامة  في الجمعية عبد الله الحجار، يشتكي من أن الجمعية تمتلك مركبة وحيدة مؤهلة لخدمة منطقة غزة والشمال، حملتها قافلة "أميال من الابتسامات" قبل أربع سنوات. وتستخدم المركبة في نقل ذوي الإعاقة الحركية المسجلين لدى الجمعية، بهدف المشاركة في أنشطتها. 

يتحدث الحجار عن "سخط" الجرحى نتيجة عدم التمكّن من نقلهم. فهم بحاجة دائمة للوصول للمستشفيات. وتتطلب العديد من الحالات بقائها اثناء التنقل على كرسيها المتحرك أو على السرير.

ويضيف "نضطر أحيانًا لاستئجار أشخاص لنقل ذوي الإعاقة من الجرحى على الأكتاف حتى يوضعوا داخل المركبات العادية وهذا يضر كثيرًا بصحتهم".

منير الميناوي (49 عامًا) أحد المسجلين لدى "السلامة الخيرية"، يحتاج لسيارة مؤهلة تقله للمستشفى. لكن الجمعية لا تتكفل بذلك. ما اضطره لتقليص زياراته إلى مؤسسة الإغاثة الطبية ومستشفى دار الشفاء لمرة في الأسبوع بدلًا من ثلاث.

ويعاني هذا الرجل من شلل نصفي منذ إصابته عام 2007. ومنذ ذاك الوقت يستأجر سيارة على نفقته الخاصة. يقول الميناوي: "ركوبي في سيارة غير مجهزة يؤذيني، وكثيراً ما يحدث لي أثناء الصعود تشنجات عصبيّة، لا أحد يتحمل حاجتي قليلاً للانتظار بعد هذه التشنجات. السائق يلح عليّ بإنهاء الأمر كي يتحرك وهذا ما يحرجني. والأقسى أن يشير "لي بالرفض فقط لصعوبة صعودي ونزولي من سيارة الأجرة".

الفتاة الفلسطينية نور غانم )16 عامًا( المقعدة بشلل رباعي حُرمت من الذهاب للمدرسة - منذ عامين- لأنها لم تجد مركبة واحدة مؤهَّلة تُقلُّها بكرسيها المتحرك إلى مقعدها الدراسي.

والد هذه الفتاة بات عاجزًا عن حمل جسدها المشلول الثقيل، بعد أن اعتاد على ذلك لمدة تسع سنوات، عقب إصابته بإنزلاق غضروفي.

الخروج من عنق الزجاجة

للخروج من الوضع المرير الذي يعانيه يومياً آلاف المعاقين دعا المختص بشؤون ذوي الإعاقة ظريف الغرة إلى إسناد مهمة توزيع ومتابعة والزام الجمعيات بإستخدام سيارات نقل المعاقين إلى مؤسسة حكومية مؤهلة، وقال: "عند الترخيص أو البيع لا يوجد فني مختص من "الداخلية" يشير لأهمية كون المركبة مؤهلة لذوي الإعاقة. كما ان الوزارة تفتقر لإدراك أهمية السيارة".

وفقاً للغرة فإن المشكلة الأكبر لدى جمعيات ذوي الإعاقة هي أن قانون المعاق الفلسطيني لا يُلزم الحكومة باستخدام هذه المركبات في نقل ذوي الإعاقة، بل يكتفي بتهيئة الطرق لهم، وفق المادة (16) في قانون المعاق الفلسطيني رقم (4) لسنة 1999.

من جانبه يسلط المساعد القانوني في وزارة العدل، شعبان المبيض الضوء على قانون المعاق الفلسطيني الذي لا يُلزم "الداخلية" بمراقبة استخدام الجمعيات للكيفية والأغراض التي تستخدم فيها سيارات نقل ذوي الإعاقة الحركية.

"

معاق: الأقسى أن يشير لي السائق بالرفض فقط لصعوبة صعودي ونزولي من سيارة الأجرة

"

وقال "من المفروض أن يكون هناك إلزام من وزارة الداخلية للجمعيات باستخدام المركبات المؤهلة في نقل ذوي الإعاقة الحركية استخدامًا مجديًا، لكن للأسف القانون لم ينص على ذلك، ولم يطالب به بسبب ظروف الانقسام".

وفي هذا السياق أقرّ عكاشة أن هناك إشكالية في ثقافة المؤسسة التي ترعى ذوي الإعاقة الحركية وتستغني عن الأدوات المساعدة، وقال (في مقابلة أجريت معه في 17 مايو 2013 في مكتبه بمقر وزارة المواصلات "هناك تقصير وخلل في متابعة ما حصل لهذه السيارة وكيفية استخدامها". ويرى أن هناك حاجة لتكاتف الجهود ما بين مؤسسات المعاقين والوزارات (الشؤون الاجتماعية، المواصلات، والداخلية)، لإيجاد وسائل نقل عام لذوي الإعاقة.

وفي الوقت الذي تتواصل فيه عملية تغيير هياكل السيارات المخصصة لنقل ذوي الإعاقة الحركية وسياسة عدم استخدامها لغاياتها الأساسية، يبقى الآلاف منهم بلا سيارات مجهزة تقلهم، وهذا ما أجبر عائلة الشاب أمير عنان -20 عامًا - الذي يعاني من ضمور في العضلات على تحمل تكلفة وصلت إلى 8 آلاف دولار من أجل تحويل سيارة عادية إلى سيارة مؤهلة تمكّن أمير من استكمال دراسته لدبلوم الوسائط المتعددة في الكلية الجامعية في غزة. وما زالت عملية تأهيلها مستمرة.

أمير الذي اشتهر بصفته أول من عمل مصممًا بتقنية "ثلاثي الأبعاد" في غزة يضطر الآن للانتظار أكثر من ساعتين ليتمكن مكتب التاكسي من توفير إحدى سياراته التي تتسع بالكاد لكرسيه المتحرك.

تم نشر هذا التحقيق بدعم من شبكة أريج (صحافيون عرب من أجل صحافة استقصائية).

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير