كم نحن بحاجة إلى جرعات من الوعي والثقافة والمعرفة حتى نتمكن من فهم واقعنا والتخطيط لمستقبلنا على أسس قوية وقواعد متينة قادرة على الفهم وتدبير الأمور بما يحقق مصالحنا الشخصية والتي من الضرورة أن تتوافق مع الصالح العام وهذه المصالح الشخصية كلها تشكل مصلحة المجتمع.
أليس الحفاظ على الأمن هو مصلحة شخصية وفي نفس الوقت مصلحة عامة؟، الحفاظ على الممتلكات الشخصية وهي جزء من الممتلكات العامة والخاصة لأنها تشكل مجموع ممتلكات الوطن، أليست النظافة عنصرا حضاريا لأي مجتمع وتثقيف الناس على ضرورة الحفاظ على نظافة المجتمع والبيئة والنظافة العامة تبدأ بالثقافة الخاصة؟، فلو نشرنا ثقافة النظافة داخل البيت ثم أمام البيت ثم في الشارع والحارة والشوارع والحارات أليست هي مكون البلد؟.
ومن هذا المنطق الذي يعتمد على أن الخاص هو جزء من العام ومكون أساسي له؛ بدأت بتجربة عائلية قد لا تكون الأولى ولكنني أردت أن نزرع ثقافات مجتمعية داخل الأسرة الواحدة والتي تشكل جزءا من المجتمع الكبير، لقد طبقت مساء الجمعة الماضي تجربة عائلية تهدف إلى نشر الوعي والثقافي والاجتماعي والسياسي والأمني، لأن الوعي والتثقيف هو الطريق لمجتمع متعاف والمسألة بحاجة إلى السير خطوة خطوة ووفق تقدير كل واحد منا وحاجة مجتمعه والبيئة القريبة منه وكذلك العمل على تحسس القضايا التي بحاجة لتوعية وتوضيح ومعالجة.
نحن في عائلتنا نعقد لقاء شهريا يضم أخوتي وأبناءهم وأبناء أبنائهم، نحن عائلة ليست كبيرة في العدد ولا ننظر إلى كثرة العدد نظرة الآخرين، في هذا اللقاء الشهري نسعى أن يكون لقاء اجتماعيا دافئا نتناول فيه أطراف الحديث حول الأوضاع الداخلية والاطمئنان على سير الشباب والأشبال وتحسس احتياجات البعض ورغم الظروف الاقتصادية نحاول جمع شواكل قليلة وشراء حاجات على قلتها إلا أنها تشعر الآخرين بالتضامن والتكافل وتلقي بظلالها على نفوس البعض ويجدها كبيرة مما يزيد من المحبة والتكاتف.
ما جرى ليلة الجمعة الماضية أننا استضفنا أحد الأخوة أصحاب الخبرة العلمية والعملية للحديث في الموضوع الأمني من أجل كشف أساليب الاحتلال واستخدامه للأدوات الالكترونية الحديثة سواء في جمع المعلومات عن الأوضاع في غزة أو محاولة إسقاط عملاء وغير ذلك، بهدف الحفاظ على نظافة مجتمعنا الصغير وإحداث حالة من الوعي والتثقيف وهذه مسألة غابت عن الكثيرين وبات جزء من المجتمع يفتقد إلى مثل هذا الوعي ويأخذ الأمور باستهتار ويقع في منزلقات خطيرة ناتجة من حالة الجهل وعدم التثقيف وقلة الوعي بالمخاطر، لقد كان لقاء مفيدا ومثمرا ولقي استحسانا من الشباب والأشبال.
الشاهد في الأمر أننا يمكن أن تستثمر كثيرا من الأمور والأشياء التي يعتبرها البعض بسيطة أو ليست مجالا لزرع مفاهيم وتوعية المجتمع، وهذه التجربة العائلية التي نضعها بين أيديكم هي بمثابة دعوة للجميع لتجربتها في كل العائلات صغرت أو كبرت ، والحمد لله لدينا من أصحاب الاختصاص الكثير والموضوعات متنوعة قد تكون أمنية، كما فعلنا تلك الليلة، وقد تكون فقهية أو سياسية أو متعلقة بالأخلاق وكيفية التعامل من الوالدين والجيران والمجتمع أو كيفية التعامل مع الأشياء وادارة الوقت وزيادة الوعي البيئي وغيرها.
نحن قادرون على أن نحدث التغيير وأن نحفظ المجتمع من كثير من الأخطاء والجرائم من خلال جرعات ثقافية توعوية بالحال والمآل، فلماذا لا يبدأ كل واحد منا بخطوة في بيئته ومجتمعه، فلا تلعنوا الظلام وتكتفوا باللعن بل ليحاول كل واحد منا أن يضيء شمعة ويشعل عود ثقاب بدل أن ينتظر حدوث هذا الوعي من طرف خارجي أو غير خارجي، وليبدأ كل واحد منا بخطوة في بيته وبيئته ومجتمعه الصغير فكم نحن بحاجة إلى زيادة الوعي في كثير من القضايا في ظل صراعنا مع العدو الصهيوني حيث تشكل الثقافة ونشر الوعي أداة من أدوات المقاومة.
نرجو الله أن يمكنا من فهم ما يجري حولنا وان يمكنا من تحصين جبهتنا الداخلية وأن يمكنا من مواجهة عدونا في المجالات كلها حتى يكون لدينا مجتمع محصن من الاختراق ومصان من أي عبث يسعى العدو تنفيذه على الأرض ليسهل له اختراق جبهتنا الداخلية.
لا تستهينوا بقدراتكم ولا تقللوا من قيمة الأشياء مهما صغرت فهذه الجبال الكبيرة والعملاقة التي نراها ما هي إلا من حصى تجمعت بعضها مع بعض فكانت هذه الجبال، وقطع الألف ميل يبدأ بخطوة واحدة.