في غمرة مشاعر القهر والغضب على لحمنا المنتهك ودمنا المسفوك في مخيمات سوريا, يزورني طيف من ذاكرة الماضي, وتحديدا قبل 35 عاما, في مخيم سبينة أحد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في ريف دمشق, هناك كنت لاجئا وعابر سبيل مع أسرة كباقي الأسر الفلسطينية, تحط رحالها حيث يسمح لها بالعبور.
أمام بيتنا, دار ابو ماهر الحلبي الكفيف, مسيحي لم نعرف ديانته إلا صدفة, ومتزوج من مسلمة, وفي الجوار ابن بلدنا "بلد الهجرة", اللاجئ الفلسطيني أبو يوسف وعائلته التي أصبحت كبيرة, حيث يشيد بيتا من الاسمنت, بعدما ضاق عليه المخيم, وطال اللجوء, وتراجعت أحلام العودة, مع تفريخ الفصائل في ذلك الوقت والحرب الأهلية في لبنان وشظاياها التي طالت فلسطيني سوريا, ثم في الجهة الأخرى منزل لاجئ آخر يطل على بستان جميل كأنه جنة على الأرض, مجاور لبيت سوري, هكذا تداخلت المنازل والعلاقات, كان من الصعب التفريق بين السوري والفلسطيني, المسلم والمسيحي, والطائفي، لم أع كل ذلك في ذلك الوقت, ولم أعتمد كتب التاريخ لكنها مراجعات لرواية وشهادة والدتي.
لا زالت الذاكرة, على أطلال الشام والماضي, تبعث رائحة فواكه بساتين ريف دمشق, وخرير الماء في كل أرض, هناك كان للفلسطيني حياة, هناك كان يدرس اللاجئ في كتاب اللغة العربية: "زرع, حصد" رغم أنه لم تعد له أرض يزرعها ويحصدها, لكن حضن الشام كان دافئا.
كان هناك عرس وفرح للاجئ, لازالت يتردد في ذاكرتي صوت نسوة فلسطينيات وسوريات يغنين في حفل زفاف في بستان البيت:
بسك تجي حارتنا.. يا عيوني ..
وتتلفت حوالينا.. الله الله
عينك على جارتنا.. يا عيوني ..
ولا عينك علينا.. دخيل الله.
ورغم ذلك كان القلق والخوف والمجهول يطاردون الفلسطيني, في تلك الأيام قبل أكثر من ثلاث عقود, كان الانتماء الفصائلي يفرق بين لاجئ وآخر, خصوصا في موسم الانشقاقات التنظيمية, والتوالد الفصائلي والتناحر الحزبي, وحتى تكون لاجئا آمنا في سوريا كان يجب على سبيل المثال, أن تحدد انتماءك بين فتح ابو عمار, أو فتح الصاعقة (تبع سوريا), كان تعاطي السياسة مغامرة خطيرة, لهذا لطالما نبهت جارتنا أم ماهر الحلبية أمي بأخذ الحيطة والحذر, وأن تنقل ذلك لوالدي, خصوصا وأن عناصر من المخابرات السورية تجري تحريات عنه في الحارة, كانت تقول كلمات وهي ترتجف على شفتيها: حافظ علوي ما بيرحم"..
ويبدو أن الأمر الخطير الذي اقترفناه آنذاك أنه كان لدينا خروف صغير, وكنت أخرج مع والدي لرعيه في البساتين, ونغيب طوال النهار, فكان لابد للمخابرات التأكد من الانتماء السياسي لوالدي, حيث توحي طريقة لباسه "بالمشيخة", والأمر سيكون مرعبا لو اعتقدوا حينها أنه ينتمي للإخوان المسلمين.
اليوم وبعد كل هذه السنين, وأمام المشهد القاسي في اليرموك وباقي مخيمات سوريا, أتذكر تحذيرات أم ماهر الحلبية: "لكن.. ابن حافظ العلوي لم يرحم", والفصائل لا زالت تنقسم أمام المأساة سواء مع أو ضد النظام, تحتمي باللحم الحي أو تفدي نفسها بموت المخيم, وتحريات القوى الأمنية السورية ضد الفلسطيني تحولت إلى مقصلة, والمخيم صار يصغر ويصغر, وانقسم الى حواجز تسيطر عليها فرق الموت, وانهدم بيت أبو يوسف جراء القصف, واحترق البستان, ولم نعد نسمع سوى نواح الفلسطينيات والسوريات على فقدان الأحبة.