تموت أسرة "أبو مصطفى" في اليوم أربعا وعشرين مرة؛ لأن الفقر اتحد مع المرض ليزيد معاناة ستة أفراد يعيشون داخل حجرة واحدة.
لا شيء يتكلم باسمًا في البيت الفقير الذي لا يملك ربّه حولًا ولا قوة لإعانة أربعة أطفال وأمهم ومن قبل والدة مسنة وأربعة شقيقات كُبريات.
فقد "أبو مصطفى" (41 سنة) الرؤية في عينه اليمنى بالكامل، ويعاني ضعفًا قديمًا في عينه اليسرى منعه عن العمل في أي مهنة وإعالة أسرته.
مشكلته الأساسية ليست في عجزه فقط بل في بيته الذي لا يصلح للحياة، فهو يعيش مع زوجته وأربعة أطفال في حجرة واحدة ويتقاسمون مع أمه وشقيقاته منافع البيت الوحيد.
ولا تتجاوز مساحة بيت "أبو مصطفى" 60 مترًا مربعًا يملك فيه حصةً متواضعة، تتثمل بحجرة واحدة.
معاناة يومية
لا تسلي حرارة الدمعة معاناة "أبو مصطفى" لأنه يخوض كل يوم نزالًا مع شيطان الفقر من أول النهار حتى آخره، فيعود مهزومًا أملًا بجولة أفضل في اليوم التالي.
الناظر لحجرة النوم الوحيدة يلحظ ذلك العراك المستمر بين عشرات الخرق القماشية والأغطية والملابس التي ناءت بحملها خزانة متهالكة وسرير خشبي قديم ينام فوقه وعلى جانبيه ستة أفراد.
يأخذ "أبو مصطفى" زائريه في جولة سريعة لرؤية منامه مع أطفاله في حجرة متهالكة ويقول:"هنا ننام نحن الستة وهنا مطبخ مشترك مع أمي وأخواتي الأربعة كما ترى كل شيء فيه قديم وسيء" .
المطبخ الصغير مقسوم لقسمين الأول يحمل غازًا للطهي على الجدار الجنوبي لأمه وشقيقاته محاط بعدد كبير من العلب البلاستيكية والثاني يحمل آخرا للطهي لأبي مصطفى وأسرته محاط أيضا بآنية مشابهة.
ويعيش مع أبي مصطفى وزوجته وأربعة أبناء هم مصطفى في الصف الرابع ودينا في الصف الثالث ومحمد 6 سنوات ويوسف 4 سنوات .
يعتقد أطفال البيت أن كل زائر غريب لهم قد يحمل أملًا في إصلاح معيشتهم أو إقامة بيت أفضل لهم فيكررون على سمعه جملا مثل "ابنوا لنا بيت" و "أنا بدي سرير" و"جيبوا لنا دار.." .
يتابع أبو مصطفى شرح معاناته بالقول: "في الحجرة المجاورة تنام أمي وشقيقاتي الكبار في السن وهن أربعة وفي هذه الحجرة الصغيرة تخزن أمي وأخواتي كل الطحين والمواد الغذائية وكل ما يلزم البيت" .
في فناء البيت الذي يتوسط الحجرتين الصغيرتين ولا يتجاوز عرضه مترين ونصف وطوله ستة أمتار يخوض الأطفال سباق حل الواجبات المدرسية على طاولة خشبية عتيقة.
وما زاد من معاناة الأب هو ذلك المرض المفاجئ الذي أصاب عينه اليمنى بعد أن أصيبت بالتهاب مفاجئ اعتقد أنه حالة عرضية بسبب غبار الطريق.
وعن ذلك يضيف :"أصاب الغبار عيني اليمين وذهبت إلى مستشفى العيون وبعد مراجعات عدة قال لي الدكتور شبكية العين تلفت ثم حاولت الحصول على تحويلة وخضت اجرءات طويلة بين مركز التحويلات في فندق الأمل ومستشفى العيون لكن دون فائدة" .
فقد "أبو مصطفى" النظر بعينه اليمنى في حين أوصاه الطبيب بالانتباه جيدا لعينه اليسرى التي يعاني فيها ضعفا قديمًا وأمام كل ذلك أصبح عاطلا عن العمل بشكل كامل منذ ثلاث سنوات.
ويتابع:"كنت قديما أعمل في أي شيء لأعيل أسرتي فأحصل على 30 أو 40 شيكل لكن الآن لا أستطيع العمل ولا يعينني أحد وربما يعطف عليّ أحد الأقارب بمئة شيكل في رمضان أو أكثر في العيد، لكن كيف أعيش بقية السنة".
يقطع حديثه ماشيا نحو حمام البيت الوحيد الذي تفوح منه رائحة العفونة بمجرد الاقتراب منه فيقول :"انظر هنا حمام رطب ومتعفن وخلاطات صدئة ومغسلة مكسورة".
الطقس في منزله متطرف للغاية فهو حار جدا صيفا بارد شتاءً وما يزيد من معاناة فصل البرد هو ذلك السقف من "الأسبست" الذي يخر بالمياه من الجهة الفاصلة بين بيته وبيت شقيقه.
ويتابع :"الجو في كل الدار حرّ لا تتحمله ومياه المطر تأتي من شقوق الأسبست والجهة الفاصلة بين بيتنا وبيت أخي, أوضاعي صعبة ..عيني راحت والشمال ضعيفة خايف أفقد النظر كله فيها".
شيكل واحد
يتسمّر "أبو مصطفى" أمام مطلب متكرر من يوسف الصغير حين يطلب من والده شيكل واحد لشراء الحلوى فيهرب من إجابته لأن لا يمتلك.
كل ما يطلبه "أبو مصطفى" هو بيت كريم يعيش فيه هو وأبناؤه لأن حجرته الوحيدة التي لا تكفي للنوم والمعيشة لستة أفراد معا .
عن ذلك يضيف :"غير مرضي ونظري الذي فقدت معظمه وفقري أصعب شيء لما يطلب يوسف شيكل مني ويكون معيش !! ولما ابني الثاني يقول بدي سرير !! والثالث الصغير يقول يابا روح اشتغل وجيب مصاري !!" .
أما الطفل محمد ست سنوات فيلخّص أحلامه بالقول :"بدي بيت لحالي وفراش أنام عليه أنا وإخوتي ..بدي حياة أحسن.. لأني بأحط كتبي وملابسي على التسريحة في البيت".
وفي إشارة موحدة اتجهت أصابع الأب والأبناء لشيء كادوا أن ينسوه, ثلاجة البيت, تلك الصدئة الصامتة التي تقف عاجزة عن العمل؛ لأن محركها معطوب منذ شهور طويلة.
أما مصطفى الابن الأكبر 10 سنوات فكلماته مرتجفة وهو الذي استيقظ على معاناة الطفولة قبل أشقائه فيقول :"بدي غرفة لحالي وسرير".
ويعقّب الأب على مطالب الأطفال، بأن الحال التي يعيشها صعبة للغاية وأن فقدانه للنظر زاد من معاناة الفقر.
وعلى فوهة البيت كانت تجلس والدة "أبو مصطفى" وشقيقاته الأربع للحصول على فسحة من الهواء الطلق متوارين خلف ستار من القماش يعزلهن عن منظور المارة في الشارع ويواري معاناتهن مع الفقر وسوء الحال.