الجريمة تكشر عن انيابها في الضفة

مسلحين في الضفة (الأرشيف)
مسلحين في الضفة (الأرشيف)

رام الله- الرسالة نت

أفجعت جريمة قتل المسن جواد عمران القواسمي -يعمل في مجال الصرافة- سكان مدينة الخليل حين وجد مضرجاً بدمائه صبيحة الأربعاء من آب الجاري الذي صادف اليوم الأخير من رمضان.

القواسمي 60 عاماً توجه إلى عمله صائماً لتقطع طريقه مجموعة لصوص سفكوا دماءه من أجل حفنة من المال !

الحادثة نكأت جراح أهالي المدينة بعد أن علقت صورة المغدور بجوار صورة ابنه الاستشهادي قبل سنوات، لتشكل الحادثة تناقضاً بالنسبة لمجتمع تربى على المقاومة.

تقرير الهيئة المستقلة لحقوق الانسان الذي أكد على أن جرائم القتل في الضفة حصدت أرواح 34 فلسطينياً منذ بداية العام الحالي، دفع "الرسالة" للبحث في أسباب الجريمة في الضفة وتداعيات ذلك على المواطنين، بعد ارتفاع معدل الجريمة عن العام الماضي الذي شهد مقتل 20 مواطناً.

"الإعدام مطلبنا"

وتعيش عائلة المغدور جواد القواسمي حالة من الغضب والحزن الشديدين بعد أن فقدت أحد رجالها المعروفين بطيب أخلاقهم وحسن علاقاتهم مع الناس كافة.

ويقول شقيقه محمد القواسمي لـ"الرسالة نت" إن المغدور جواد كان قد تعرض قبل ثمانية أشهر لمحاولة سرقة من الجناة أنفسهم الذين قتلوه قبل عيد الفطر السعيد بيوم واحد، "فهو كان متجها إلى عمله وفوجئ بأشخاص ادعوا أنهم من قوات الاحتلال وبدأوا يتكلمون العبرية ويشيرون إلى حقيبة كانت بحوزته".

ويضيف: "كانت الحقيبة تحوي مبلغا من المال اعتاد شقيقي رحمه الله حمله كلما ذهب إلى عمله، وحين أدرك أنهم لصوص وليسوا جنودا رمى الحقيبة إلى منزل جيرانه كي يحميها من السرقة وفر اللصوص، ثم قدم شكوى ضدهم لدى أجهزة الأمن ولكن لم يجر التعرف عليهم آنذاك وبقوا طلقاء".

"

أهالي مغدورين: نطالب بالإعدام ولا شيء غيره سيشفي صدورنا

"

ويشير القواسمي إلى أن فرحة العيد لدى العائلة بددتها أيادي الغدر التي قتلت بدم بارد جواد وسرقت منه مبلغ مئة ألف دينار أردني، "وهو المبلغ الذي تعتقد زوجته أنه كان بحوزته حين خرج من المنزل"، مبينا أنه تم التعرف على منفذي الجريمة والمركبة التي استقلوها عن طريق آلات التصوير المثبتة قرب أحد المحلات التجارية.

ويجدد شقيق المغدور مطالبته بإعدام القتلة، فهو القصاص الأمثل لهم وفق رأيه كي يعتبر كل من تسول له نفسه أن ينفذ جريمة مماثلة، مؤكدا أن حكم الإعدام هو ما سيشفي صدور أبناء العائلة المكلومة فقط.

ولا بد أن نشير هنا إلى أن مؤسسات السلطة وأفرادها استنكروا بشدة أحكام الإعدام التي أصدرتها الحكومة في قطاع غزة بحق من ارتكب جرائم جنائية في الوقت الذي يطالب فيه أبناء الضفة بتطبيق هذا الحكم بحق القتلة فيها ومنفذي الجرائم لخلق حالة ردع لدى السكان.

اختراقات واضحة

عدة أسباب تقف وراء ارتفاع نسبة الجرائم والقتل في النزاعات المختلفة، فمن الواقع السياسي ذي الأفق المعدوم يتسلل الإحباط إلى النسيج المجتمعي الذي تحاول بعض الأطراف تشويهه.

وهنا، يعتبر النائب عن كتلة حماس البرلمانية في الضفة فتحي القرعاوي أن الوضع في الضفة في حالة تدهور على أكثر من صعيد، "ويتمثل ذلك في مجال الظلم الذي يعيشه المواطن جراء سيطرة طبقة عليا على المجتمع برمته والمواقع السيادية دون أن تعطى فرصة للمواطنين العاديين"، موضحا أن استئثار الطبقة الحاكمة بالمناصب والأموال وتهميش غالبية الناس والحرمان الذي يعيشونه عوامل تشجع على ارتكاب الجرائم.

ويقول القرعاوي لـ"الرسالة نت": "وجود وساطات ومحسوبيات داخل الأجهزة الأمنية نفسها يجعلها تتدخل لمصلحة طرف دون آخر في المشكلات التي تحدث بين أبناء الوطن الواحد، وهذا اضطر الناس إلى أخذ الحق بيدها لأنها باتت تدرك أن الأجهزة الأمنية لن تعيد لها حقا"، مبينا أننا أمام حالة من الانفلات الأمني الداخلي والمجتمعي جعلت الإنسان غير آمن على نفسه أو محله التجاري.

"

تشريعي الضفة: الوساطات والمحسوبيات في السلطة لم تبقِ رادعا للمواطن

"

ويضيف: "كل ذلك أدى إلى أن نرى في مجتمعنا حالات انتحار وقتل وإطلاق نار ومشكلات عديدة في تزايد مستمر، والسبب الانحدار الأخلاقي المتدني الذي تعيشه الطبقة الثرية في حين أن يدفع الأموال الباهظة لها المجتمع كله، ومقابل ذلك حالة الضغط النفسي كلها تجمعت لتنتج مثل هذه الأحداث إضافة إلى القمع والكبت السياسي وانتهاك حرية الإنسان التي تكون عوامل مساعدة في توجه الشخص نحو العنف والانحراف ومسارات غير صالحة وغير صائبة".

وردا على تساؤل حول يد الاحتلال الخفية في قذف المجتمع الفلسطيني نحو مستنقع الجريمة، يؤكد القرعاوي أنه لا يبرئ الاحتلال الذي تعمل مخابراته ليل نهار في محاولة لإسقاط المجتمع برمته في وحل الانفلات الأمني والأخلاقي، ولكنه في الوقت نفسه تساءل عن الخلايا المستيقظة لأجهزة الأمن الفلسطينية ودورها في التصدي لخلايا الاحتلال النائمة التي تحاول إشعال فتيل النزاعات الداخلية.

ويصف النائب الواقع الذي تعيشه الضفة بالغابة في الوقت الذي أصبح فيه كثيرون من الأشخاص لا يأمنون على أطفالهم أن يسيروا في الشوارع نتيجة ما يُسمع عنه من حالات خطف أطفال ومساومة عليهم.

أما عن السبب الأبرز وراء كل ذلك فيعزوه القرعاوي إلى غياب مراكز التوجيه "كتغييب العلماء والأئمة ودورهم الإيجابي في المساجد من جهة أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر"، لافتا إلى أن السلطة تعتقل الأئمة أو تنقلهم وتمنعهم من إلقاء المواعظ في المساجد "الأمر الذي غيب الرادع الديني عن كثيرين".

ويتابع: "في مقابل انتفاخ الباطل واستشراء الفساد في كل نواحيه وجرائمه يكون المستقبل غامضا وينبئ بأمر كبير، لأن إقالة الأئمة والدعاة المركزيين وإبعادهم إلى مناطق أخرى وتحديد خطب الجمعة حول موضوع لا شأن له بما يحدث حولنا عوامل تساهم في تشجيع الجرائم، كما إن تغييب المجلس التشريعي بيد فلسطينية وإسرائيلية في الوقت نفسه للأسف يعني غياب الجهة الرقابية الوحيدة، وهذا ما أوصلنا إلى الحال التي نحن عليها".

ثقافة العنف

لو نأينا بأنفسنا عن الأسباب السياسية وحالة الانفلات الأمني التي تشجع الجرائم لوجدنا أسبابا أخرى قد تكون أقل تأثيرا وكنها تحدث فرقا في هذه القضية.

ويرى محاضر التربية في جامعة الخليل د. كمال مخامرة أن مشكلتين داخلية وخارجية يعاني منهما المجتمع فيما يتعلق بالتشجيع على ارتكاب الجرائم، "الأولى غياب الجانب الأخلاقي والوازع الديني الذي إذا قل ترتفع نسبة الإساءة، لأن الضبط الذاتي بوجوده يكون عاليا لما للوازع من قوة علاقة مع الخالق عز وجل".

وعلى صعيد الرادع الخارجي فإن مخامرة يؤكد لـ"الرسالة نت" أن غياب سيادة القانون يعني ارتفاعا في مستوى الجريمة، "ووجوده يعني حالة من الضبط لأن القانون سيطبق على الجميع ولن يضطر أحد إلى ارتكاب جرائم إذا كان القانون يكفل حقه، أما الآن فمعظم الجرائم تحل عشائريا الأمر الذي يكون لمصلحة للقوي على حساب الضعيف".

"

مختص تربوي: النشأة والتربية وغياب القانون لها علاقة بزيادة الجرائم

"

أما الأمر الآخر فيعزوه مخامرة إلى النشأة الاجتماعية التي لا تدع مكانا للتسامح في نسيجها على عكس ما نادى به الإسلام، مبينا أن التعصب يعني ارتفاعا في مستوى الجريمة، "لأنه سيطرة للعواطف على حساب العقل، وهو اتجاه مشحون بعاطفة قوية من حيث الحب أو الكره، والرسول عليه الصلاة والسلام قال للأوس والخزرج: (اتركوها فإنها لكما) عن التعصب".

ويضيف: "نحن في أصلنا مجتمع بدوي يميزه التعصب لأن معظم المدن العربية على هامش الصحراء القاحلة التي تولد فينا ردود فعل سريعة، وفي الحقيقة كثيرون منا يربون أبناءهم على طبيعة التعصب وفق مبدأ (أنا وأخوي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب)، فلدينا صعوبة في تقبل الآخر على صعيد التنشئة الاجتماعية كما السياسية".

"نتيجة لذلك أصبح حل المشكلات يتم عن طريق العنف والقوة خلافا لما دعا إليه الإسلام بوضوح حول التسامح" كما يوضح مخامرة الذي لفت إلى أن ضيق العيش الذي نعيشه يخلق الصراع والتناقض والتعبير عن الحاجات والإحباط بالعنف، والحل يكون برأيه في التسامح.

جريمة "خماسية"!

ولعل الصاعقة التي وقعت على قلوب الفلسطينيين كانت يوم أن استيقظوا على نبأ مقتل أم وطفليها وتوأمين في أحشائها في الرابع والعشرين من تموز الماضي بفعل جريمة قتل أبشع من أن توصف، فبعد أن نشرت وسائل الإعلام المحلية نبأ يفيد بوفاة القتلى اختناقا بتسرب الغاز فوجئ المواطنون بأنها جريمة منظمة وصلت خيوطها إلى المخابرات (الإسرائيلية).

ويقول عطا الله شقيق المغدورة لينا الفتياني ابنة السابعة والعشرين ربيعا إن عائلته صعقت بالجريمة التي نفذت ولم تصدق لحظة واحدة أن الأم والأطفال توفوا نتيجة استنشاق الغاز، "بل كان في الأمر غموض كبير إلى أن تبين أن القاتل هو عم الأطفال وشقيق زوج القتيلة".

ويوضح عطا الله في حديث لـ"الرسالة نت" إن القاتل لم يسرق من المنزل سوى 100 شيكل الأمر الذي دفع النيابة إلى التحقيق في هدف ارتكاب الجريمة، "فتبين أن المغدورة رأت شقيق زوجها يتحدث مع ضابط مخابرات (إسرائيلي) فخشي ربما أن تفضح تعاونه مع الاحتلال ما جعله ينفذ الجريمة السوداء".

ويضيف: "مطلبنا الإعدام فقط خاصة أنه لم يقتل نفسا واحدة بل قتل خمسة أرواح هم شقيقتي لينا الحامل بتوأم في الشهر الرابع وطفلتها جنى (6 أعوام) وطفلها مجد (4 أعوام) (...) هذا الشخص يجب أن يكون مصيره الإعدام لأنه هدم بيتا كاملا وسبب يُتم طفل لا حول له ولا قوة، كما نبدي استغرابنا الشديد من منع النيابة نشر التحقيقات مع القاتل كي نتبين السبب الحقيقي وراء تنفيذه الجريمة".

ويشير إلى أن شقيقته متزوجة منذ سبعة أعوام، "ولم يتوقع أحد أن يقتلهم عم الأطفال خاصة أن علاقته بهم كانت جيدة"، مؤكدا الأنباء التي ذكرت أن والد الأطفال -أي شقيق القاتل- تسلل إلى المحكمة في محاولة لقتل أخيه.

وكانت عائلة الفتياني قد نظمت مسيرة سلمية أمام محكمة بداية سلفيت الثلاثاء 3/9 تزامنا مع عقد جلسة محاكمة للقاتل تطالب فيها بتنفيذ حكم الإعدام بحقه، مستنكرة رفض تلفزيون فلسطين الرسمي تغطية المسيرة لأنها تشكل ضغطا على القضاة من أجل إنزال عقوبة الإعدام به.

34 قتيلا!

ولعلها بقعة جغرافية صغيرة هي التي تحتلها الضفة المحتلة لتحمل هذا الكم الهائل من العنف والجرائم بين أبناء الوطن الواحد، ولكن الواقع المرير الذي يتسلل إلى قلوب الفلسطينيين فيها يكاد يكون المسبب الأول في ارتفاع نسبة ارتكاب الجرائم إلى جانب الأسباب الأخرى المذكورة التي تدخل فيها يد الاحتلال والسلطة على حد سواء.

"

الشريعة: يقظة الوازع الديني تُشكّل حماية للجانبين القانوني والاجتماعي

"

وللوقوف على حكم الشرع في اقتناء السلاح وكيفية التعامل معه، فإن "الرسالة نت" التقت الدكتور صادق قنديل المحاضر في كلية الشريعة في الجامعة الإسلامية الذي قال إن العلم بحكم اقتناء السلاح في الشريعة يضع تصورًا عامًا لكيفية التعامل معه، معلّلًا ذلك بقوله: "يقظة الوازع الديني تُشكّل حماية للجانب القانوني والاجتماعي والنفسي".

وتحدث قنديل عن حكم اقتناء السلاح في القرآن الكريم مستدلًا بقوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ)، وأضاف: "المتأمل في الآية السابقة يُدرك المقصود منها وهو "تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ" وليس لنرهب بعضنا بعضا".

وأوضح أن اقتناء السلاح مشروط في الآية السابقة بالمقاصد الحسنة للاستخدام، معتبرًا أن القوة في الآية تدل على وجوب أن يتقوّى المجتمع المسلم بكل الوسائل المتاحة له، "وفي المقابل يحظر أي استخدام يؤدي العبث فيه إلى إضعاف المجتمع أو تعريضه للخطر".

ولفت قنديل إلى وجود هدف للسلاح، "فإن مر عبر الوسيلة المشروعة زاد رصيد قوة المجتمع وقذف الرعب في قلوب الأعداء، وإن لم يمر فهو تعسف في استخدام الحق المشروع".

وحذّر قنديل من اقتناء العائلات السلاح بدعوى الثأر لما يسبب ذلك إسقاط هيبة القانون فضلا على إشاعة الخوف بين الناس، "وهذا ما أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال: (لا يشرن أحدكم إلى أخيه بالسلاح فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان ينزغ في يده، فيقع في حفرة من نار)".

ودعا المواطنين إلى ضرورة الحذر في استخدام السلاح، "لأن الإهمال في استخدامه يُهدر حياة أشخاص ويدفع المجتمع نحو الفتنة".

وفي تقرير سابق للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان فإنها أكدت أن جرائم القتل في الضفة حصدت منذ بادية العام الحالي أرواح 34 فلسطينيا وذلك في نسبة ارتفعت عن العام الماضي الذي شهد مقتل 20 مواطنا.

كما أكدت الهيئة أن العام الحالي يشهد ارتفاعا في نسبة الجرائم أكان ذلك عن طريق القتل المتعمد أم سوء استخدام السلاح أم الشجارات العائلية، مبينة أن الجرائم بلغت ذروتها في نهاية شهر تموز وبداية شهر آب، "فشهدت هذه المدة ثلاث جرائم في سلفيت واثنتين في نابلس وواحدة في الخليل من بينها جريمة قتل المواطن جواد القواسمي والأم لينا الفتياني وطفليها في سلفيت".

وأشار التقرير إلى أن شهر كانون الثاني من عام 2013 شهد قتل 10 مواطنين، "وشهر شباط شهد مقتل ستة آخرين ومثل ذلك في آذار إضافة إلى مقتل ثمانية في نيسان وتسعة في أيار وأربعة في حزيران"، ولكن الهيئة لفتت إلى أن حالات القتل تلك لم تكن جميعا عن طريق ارتكاب الجرائم "بل سُجلت حالات وفاة غير طبيعية".

ومهما كانت الأسباب فإن ذلك العدد مرتفع كثيرا، لأن حق الإنسان في الحياة هو أبسط الحقوق التي يجب أن تكفلها السلطات وأن تراعي كيفية حفظها بمحاسبة المجرمين أو حفظ شروط السلامة العامة أو توفير الحد الأدنى من احتياجات المواطنين الأمر الذي قد يمنع انحرافهم نحو السلوك الإجرامي، ولكن في الضفة كل ما هو متبع عكس ذلك بل نجد أن سلوك السلطة يشجع على ارتكاب الجرائم ويغذي تفكير منفذيها.