نكأت الدماء الغزيرة التي سالت في شوارع مصر جراح الفلسطينيين في قطاع غزة الذين اكتووا بمثل هذه النيران أمريكية الصنع بيد أن الجاني كان الاحتلال الإسرائيلي.
وتسمر الآلاف في قطاع غزة أمام شاشات التلفزة التي تبث مشاهد المجازر التي رافقت فض اعتصامي رابعة العدوية ونهضة مصر في وسط وشمال القاهرة.
وكان تدفق المئات على وقفة احتجاجية دعت إليها مؤسسات إسلامية في ميدان فلسطين "الساحة" أمس الأربعاء ملفتًا للنظر ، ومن المقرر أن يشارك المئات في وقفة أخرى دعا إليها المجلس التشريعي في غزة مساء اليوم.
وكان السائق سعدي الهمص غاضبًا وهو يستمع للمذياع الذي يعتمد من خلالها على متابعة الأوضاع المصرية وردد أمام زبائنه "لا بشار ولا القذافي ارتكبوا جريمة بشعة مثلما ارتكب في مصر ..".
ورد طالب جامعي كان متوجها من مدينة رفح على الحدود مع مصر إلى غزة "اليهود كمان ما ارتكبوا مجزرة بشعة مثل ما فعل السيسي وجيشه بحق هؤلاء الأبرياء".
وقال بحسرة "سفك الدماء بهذه الوحشية يشير إلى أن هذا الجيش تحول إلى أداة في يد الأمريكان والصهاينة .. حسبنا الله ونعم الوكيل..".
لكن رجل في العقد الرابع من العمر كانت وجهت نظرة مختلفة إزاء ما يحدث في مصر، وقال إن "الجيش نفذ واجبه الوطني وحمى مصر من فتنة".
ورد جميع من بالمركبة بغضب وبعضهم قال مخاطبا صاحب هذا الرأي بالقول: اتقى الله يا رجل لو مات أحد أبنائك أو بناتك أو أقربائك هل هذا سيكون موقفك هكذا !!.
وظل النقاش محتدم في المركبة على مدار ساعة ونصف وكان ارتفاع مؤشر عداد الضحايا عبر المذياع يحدث صدى كبير في نفوس الركاب.
ومع انتصاف اليوم الخميس ارتفعت أعداد ضحايا فض اعتصامي رابعة العدوية ونهضة مصر إلى 526 وفق ما أعلنت وزارة الصحة المصرية.
وكانت جماعة الأخوان المسلمين أعلنت عن استشهاد أكثر من ألفي معتصم في وقت سابق لكن حكومة الانقلاب لا تعتمد أعداد الضحايا إلا عندما يصلون إلى المشافي الحكومة ومشرحة زينهم الشهيرة.
وقال الهمص: "كل ما يحدث يناقش في صالون المركبة لكن ما جرى ويجري في مصر ليس للمناقشة ولكن يدعو للإدانة والتنديد وحتى المساندة".
ويعمل الهمص على مركبة عمومية مخصصة لنقل سبعة ركاب بين محافظات غزة التي تعتمد على مصر في كل شيء في ظل استمرار الحصار الإسرائيلي على القطاع الساحلي للعام الثامن على التوالي.
ومن الآثار المباشر للدماء التي سالت في شوارع مصر, إغلاق معبر رفح البري مع مصر وترك المئات عالقين على جانبي الحدود.
وليس ذلك فحسب بل أن الجيش المصري الذي انقلب على الرئيس المنتخب محمد مرسي الشهر الماضي يشدد الخناق على القطاع من خلال تدمير الأنفاق الأرضية مع غزة ومنع تدفق البضائع والمحروقات.
ويتلقى الجيش المصري مساعدات عسكرية سنوية بقيمة مليار وثلاثمائة مليار دولار أمريكي منذ توقيع مصر على اتفاق سلام مع (إسرائيل) عام 1979.
واكتظت مواقع التواصل الاجتماعي بالتعليقات الحادة ضد حكومة الانقلاب ووزير الدفاع المصري عبد الفتاح السيسي بعد المجزرة.
وكتب الناشط محمد خالدي على صفحته على "فيس بوك": "السيسي رجل أمريكا الجديد في المنطقة، خليفة حسني مبارك يصنع الخارطة الجديدة لما يتوافق مع مصالح أمريكا و(إسرائيل) .. خش في سيسي يا سيسي إذا فلحت".
كما كتب الصحافي عبد الله التركماني على صفحته بـ"فيس بوك": "الدول العربية أكثر الدول إنتاجا للجثث في العالم في إشارة إلى مئات الشهداء الذي سقطوا خلال ساعات قليلة في مصر.
ويشعر المدرس رامي أحمد في مطلع العقد الخامس من العمر بالحزن والأسى على الحال الذي وصلت إليه مصر، وقال "إن مشاهد القتل في مصر أشد بشاعة مما رأى خلال الحربيين على قطاع غزة".
ويخشى الرجل على مصير نجله الذي يدرس الطب في مصر خصوصا في ظل حملة الكراهية والبغضاء التي يروج لها فلول نظام مبارك ووسائل الإعلام الرسمية والخاصة ضد كل ما هو فلسطيني أو ينتمي لتيار الأخوان المسلمين.
وعبّرت سيدة ترتدي غطاء وجه كانت تسير في ميدان العودة وسط رفح عن ألمها الشديد لما يحدث في مصر، متسائلة عن الجريمة التي ارتكبها المعتصمون السلميين كي يقتلوا بهذه القسوة.
وفي هذا الميدان يتابع الباعة والزبائن شاشات التلفزة وكثير منهم يرددون "حسبنا الله ونعمل الوكيل في من أشعل مصر وهدم استقرارها".
وعندما عاد الهمص بركاب جدد من غزة إلى نفس الميدان بدت علامات الحزن والإعياء جلية على ملامحه وقرر التوقف عن العمل والتوجه للصلاة والدعاء للأبرياء الذي سقطوا في مصر.