مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم على الصحابي أبي موسى الأشعري وهو يتلو القرآن بصوته العذب المشهود له به من الصحابة، فقال عنه النبي: "لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داوود".
ومع غروب كل يوم يقترب شهر رمضان من الانتهاء ، ويقترب الناس إلى بيوت الله أكثر على وقع العشر الأواخر، وشوقهم لأداء صلاة التراويح في بيوت الله، بيد أنهم يبحثون عن مزمار يتغنى بكتاب الله شوقًا، تخشع على وقعه قلوب المنيبين إلى الله تعالى.
بحث أدى لهجرة بعض الناس عن مساجد، ليصلوا في مساجد أخرى وجدوا فيها ضالتهم ويصلون فيها خلف أئمة ذوي أصوات ندية رائعة، تخشع قلوبهم خلفها وتأذن للعين بذرف دموع التائبين.
وصل الحدّ لقائمين على بعض المساجد، إلى اصطحاب قرّاء الى مساجدهم البعيدة، ووفرّوا لهم كل معاني الراحة، بسبب افتقارهم لتلك الأصوات الندية في تلك المساجد، كما يروى أبو العبد.
رحلة القراء
أما القراء فلهم رواية يسدلون الستار على فصولها، حول رحلتهم في مساجد قطاع غزة للإمامة بها، نزولاً عند رغبة أصدقائهم وإخوانهم، كما يتحدثون.
المقرئ عبد الحميد زقوت صاحب صوت ندي، امتلك موهبة جمال الصوت منذ صغره، مما أهله لإمامة المسجد القريب من منزلهم.
كل شهر رمضان تبدأ رحلة "إعارته"، قبل أن يبدأ الشهر الفضيل وخاصة في العشر الأواخر، حيث يمتلئ جدوله من قبل المحبين والمساجد المحيطة به، الذين يتواصلون معه بهدف الإمامة في مساجدهم وتلاوة الأذكار والابتهالات.
يقول عبد الحميد لـ"الرسالة نت"، إنه من أول ليلة تبدأ فيه صلاة التراويح يبدأ رحلة التنقل في مساجد المخيم والمدينة، نزولا عند رغبة إخوانه وأصدقائه، وتبدأ رحلة الإحراج معهم، خاصة إن تأخر في الوصول إلى المسجد، أو ان اعتذر عن تلاوة الابتهالات ليتمكن من الإيفاء بوعده مع اكبر عدد من الأصدقاء بالإمامة في مسجدهم.
رحلة العتاب لا تتوقف عند أصدقائه، بل يجد نفسه في حرج أمام أسرة مسجده والمصلين، وسرعان ما يبدأ سيل العتاب منهم فور وصوله الى المسجد بعد انتهاء رحلة تنقله، لأنه ترك المسجد دونما صوت ندي.
ويضيف أنه أضطر إلى التعاقد مع شاب آخر يملك صوت ندي للإمامة عنه، حتى يعود من رحلة الإمامة، وقد خفف عنه شيء من عتاب المصلين في المسجد.
وفي العشرة الأواخر يشير إلى أنه لم يعد بالإمكان توفير أئمة ذوي أصوات جميلة، موضحًا أن السبب يعود إلى الاعتكاف المغلق لعدد كبير منهم داخل مساجدهم، ورفضهم مغادرته، وهو ما يسبب امتلاء بعض المساجد، مقارنة بتلك التي لا يؤم فيها صاحب صوت جميل.
نادي القراء
عكفت وزارة الأوقاف والشئون الدينية، بالتعاون مع جمعية دار القرآن الكريم والسنة على تشكيل ناد يضم الأصوات الندية في مساجد القطاع قاطبة.
ويوضح إسماعيل عامر مدير العلاقات العامة والإعلام بدار القرآن الكريم والسنة، أن الوزارة تشرع بعقد مسابقات بين حفظة القرآن الكريم المتقنين للأحكام، بهدف اختيار الأندى صوتًا وتوظيفهم للإمامة في المساجد.
ويشير عامر في حديثه لـ"الرسالة نت" إلى أن النادي ضم المئات من تلك الأصوات الندية التي تخرجت من مخيمات تحفيظ القرآن، بيد أنهم لا يشكلون حلًا لتغطية الإمامة في مساجد القطاع كافة.
ويضيف أن النادي وفر عددًا من القراء للإمامة في المساجد الرئيسية في كل مخيم ومحافظة، لضمان تغطية أهمها بالأصوات الندية من الأئمة.
بيد أنه حمّل المسؤولية للقائمين على المساجد التي لا يوجد بها أئمة ذوو أصوت ندية، منوهًا إلى أن النادي يساهم في حل تلك المشكلة عبر ابتعاث إمام صاحب صوت ندي للإمامة في المساجد.
حلول مقترحة
وزارة الأوقاف من جهتها قالت إن المشكلة في طريقها إلى الحل الجذري، عبر تكثيف المسابقات الداخلية، لاختيار ذوي الأصوات الندية، بغرض توظيفهم للإمامة في مساجد القطاع.
ويشير الدكتور حسن الصيفي وكيل وزارة الأوقاف في قطاع غزة، إلى محاولات عكفت الوزارة عليها، بغرض استقطاب ما يزيد عن 200 عالم وشيخ وخطيب من مصر، بيد أن الظروف السياسية التي تشهدها بلادهم حالت دون ذلك.
وتقترب العشر الأواخر مع غروب شمس كل يوم من رمضان، وتشتعل الروح اشتياقًا، ترافقها قلوب خاشعة لله رب العالمين، باحثة عن صوت ندي يعينها على تلك الرحلة، فوجدوا أنها أصوات تحتاج لمن يقدمها!.