فتحت جريمة قتل المواطن الحاج "سعدي السخل" في سجون أجهزة أمن السلطة في الضفة الغربية، السجل الأسود لمسلسل طويل من عمليات القتل تحت سياط التعذيب. فلازالت الأجهزة الأمنية ذاتها تواصل عمليات تعذيب وشبح وضرب وإهانة بحق مئات المواطنين الفلسطينيين، يتم اعتقالهم بشكل يومي في الضفة المحتلة، بسبب انتماءاتهم السياسية.
ومنذ اللحظات الأولى للإعلان عن جريمة قتل المواطن "السخل"، شرعت "الرسالة" في التحقيق من خلال الاتصال بالمعنيين في القضية عن قرب، سواء من عائلته والمقربين أو الجهات المختصة والمعنيين.
وتبين من المعطيات المتوفرة حتى الآن أن "المواطن السخل توفي داخل مقر مخابرات نابلس بالضفة، بعد ساعات من اعتقال الجهاز له ولنجله من مكان عملهما في رفيديا".
ظروف الاعتقال والوفاة
وفي التفاصيل، فقد تطابقت إفادات شهود العيان لـ"الرسالة" مع م اذكره ذوو "السخل" حول الطريقة "الهمجية" التي جرى فيها اختطاف ابنهم قبل سويعات من وفاته، حيث أشاروا إلى أن قوة كبيرة من جهاز المخابرات التابع لأمن السلطة هاجمت عند الساعة الحادية عشر من صباح السبت الماضي، مكان عمل السخل وابنه في إحدى "السوبرماركيهات" برفيديا.
وأكدوا أن قوة جهاز المخابرات نزلت بهمجية كبيرة وطلبت من المغدور "السخل" تسليم ابنه "أنور"، الأمر الذي رفضه، مما استدعاهم إلى إطلاق النار بكثافة في الهواء، ومن ثم زجوه وابنه داخل السيارة، ونقلوهما إلى مقر المخابرات بنابلس أو ما يعرف بسجن "الجنيد".
وكانت لجنة أهالي المعتقلين السياسيين في الضفة الغربية، أكدت في بيان رسمي أن "السخل" توفي داخل مقر جهاز المخابرات، مشيرة إلى أن أفراد ذلك الجهاز اعتدوا على "السخل"، وأدى ذلك إلى وفاته بعد اعتقاله بوقت قصير، ليقوم بعدها أفراد من جهاز المخابرات بإيداع جثمانه في المستشفى ويعلن عن وفاته لاحقاً.
يذكر أن عائلة "السخل" ذكرت أن المخابرات أودعت جثمان ابنهم كجثة مجهولة الهوية داخل المستشفى قبل أن يقوموا بالاتصال عليهم لاستلامها.
تضارب روايات السلطة
وبما يخص رواية أجهزة السلطة في الحادثة، فقد تضاربت التصريحات والمبررات التي ساقها الناطق الرسمي باسم الأجهزة الأمنية في الضفة اللواء عدنان ضميري، مع ما ذكره هشام جرار المستشار القانوني لجهاز المخابرات في الضفة لـ"الرسالة".
الضميري قال أن "السخل توفي بعد وصوله مقر المخابرات العامة مرافقا لابنه"، بينما ذكر جرار أن "السخل لحق بابنه فور اعتقاله، وبعد مضي ربع ساعة على وجوده داخل المقر (صفرن)".
ونفى جرار ما كاله ذوو المغدور من اتهامات للجهاز بالتسبب في موته، مشيراً إلى أن قيادة الجهاز أصرت على تشريح الجثة للوقوف على الأسباب الحقيقية للوفاة، وعدم ممانعتها حضور أي من لجان حقوق الإنسان أو الجهات الرسمية والأهلية للوقوف على نتيجة التشريح.
يذكر أن لعائلة السخل تاريخ حافل بالبطولة والمعاناة المزدوجة من الاحتلال وأجهزة السلطة الأمنية، فالشهيد السخل والد للأسير في سجون الاحتلال مصطفى السخل، الذي يقضي حكما بالسجن 11 عاماً، وهو أيضاً والد للأسير المحرر المبعد إلى غزة ضمن صفقة وفاء الأحرار نائل السخل، ووالد الأسير المحرر رائد السخل.
تحقيقات مستقلة
ولم تكن "الرسالة" بمنأى عن التأكد من وجود مؤسسات حقوق الإنسان للوقوف على مجريات التحقيقات، فقد أكد شعوان جبارين مدير مؤسسة الحق، أن مؤسسته بدأت بجمع المعلومات من الجهة الأمنية المختصة ومن كافة الأطراف ذات العلاقة، لافتاً إلى أن لا يمكن البوح بالنتائج إلا بعد التأكد من المعلومات واكتمال باقي التحقيقات والإجراءات المتعلقة بتشريح الجثة لمعرفة السبب الحقيقي للوفاة.
وأوضح أنه في مثل هذه الحالات فإن مؤسسات حقوق الإنسان تكون لها تحقيقاتها الخاصة بمعزل عن تحقيقات أجهزة السلطة، مشدداً على أنه يجب التحلي بمسئولية عالية من قبل الجميع لفضح ممارسات القتل والتعذيب التي يتعرض لها المعتقلين السياسيين.
وكان النائب العام التابع لسلطة رام الله عبد الغني العويوي، قد أمر بفتح تحقيق في ظروف وفاة المواطن السخل، مشيراً إلى أنه تم تحويل الجثة للتشريح للوقوف على ظروف وأسباب الوفاة، وسيتم إعلان نتائج التحقيق فور الانتهاء منها!.
تنديد فصائلي
من جهتها، دعت حركة حماس على لسان الناطق باسمها فوزي برهوم إلى ضرورة "التصدي وبكل قوة لكل من يعبث بحرية وكرامة وأمن الإنسان الفلسطيني"، معتبرةً أن هذه الجريمة تتزامن "في الذكرى السادسة لانقلاب فتح وأجهزتها الأمنية على الشرعيات الفلسطينية والتساوق مع مخططات الاحتلال".
ونوهت الحركة في بيانها إلى أن جريمة أجهزة السلطة في الضفة "تأتي لتؤكد مجددا أن أجهزة فتح ماضية في نهج التصفية للتعددية السياسية وأنهم غير معنيين على الإطلاق بإنجاح أي جهود لتحقيق الوحدة، وتؤكد أن كل حديث عن الحريات والمصالحة محض أكاذيب وأضاليل لا تنطلي على أحد".
أما حركة الجهاد الإسلامي، فقالت على لسان مصدر مسئول فيها بالضفة المحتلة: "إن وفاة المرحوم السخل تمثل شكلاً سافراً من أشكال التعدي على المواطنين وانتهاك حقوقهم"، مشيراً إلى نهج أجهزة السلطة، لا سيما المخابرات من شأنه تعميق الأزمات الداخلية في وقت تبذل فيه المساعي الحثيثة لإنهاء الانقسام.
واستنكر المصدر ذاته استمرار حملات الاعتقال والاستدعاء التي تصاعدت في الآونة الأخيرة، وطالت عدداً من نشطاء العمل السياسي والميداني وطلاب الجامعات في أنحاء متفرقة من الضفة المحتلة.
وبحسب معطيات إحصائية، فإن لجنة أهالي المعتقلين السياسيين في الضفة، أن أجهزة أمن السلطة في الضفة اعتقلت واستدعت أكثر من 118 من النشطاء والمواطنين وأنصار حركة حماس منذ بداية شهر حزيران الجاري.
وفي سياق متصل، أطلقت عدة مجموعات شبابية حملة إعلامية واسعة تحت شعار "مش فارقة معي" لمواجهة تصاعد حملات الاعتقال والاستدعاء السياسي في الضفة، داعيةً المواطنين الفلسطينيين وطلبة الجامعات إلى عدم الاستجابة لأوامر الاستدعاءات لما تشكله من انتهاك صارخ للحريات وتهديد حقيقي لكل جهود المصالحة المزعومة.
إحصاءات سابقة
ولعل ما يزيد عن ثلاثين حالة وفاة وقعت في سجون سلطة أوسلو منذ تشكيلها، ففي سنة 1994، توفيت حالة واحدة، وهو الشاب فريد أبو جربوع، فيما بلغ عدد الوفيات في سجون السلطة في سنة 1995 ست حالات.
وفي سنة 1996، بلغ عدد الوفيات في السجون ذاتها أربع حالات، ووصل عدد الوفيات في سنة 1997، إلى سبع. أما في سنتي 1998 و1999، فقد بلغ عدد الوفيات في سجون السلطة أربع حالات، وبعد سنة 2000 بلغ ثماني حالات، من ضمنها جريمة إعدام الشيح مجد البرغوثي، إمام مسجد بلدة كوبر القريبة من رام الله.
يُشار إلى أن عدد الذين قضوا على يد جهاز "المخابرات العامة" بلغ 10 حالات، وفي سجون "الأمن الوقائي" 8 حالات، مقابل 6 حالات قضت على يد جهاز "الاستخبارات العسكرية"، وتقاسمت بقية الأجهزة ما بين "الشرطة" و"البحرية" و"الحرس الرئاسي" بقية الوفيات.
وقد قضى هؤلاء المعتقلون نتيجة التعذيب الوحشي الذي تمارسه الأجهزة الأمنية التابعة لرئاسة السلطة الفلسطينية، التي لا تراعي أدنى الحقوق الإنسانية من خلال التعامل مع الموقوفين لديها، وتضرب بعرض الحائط القوانين والمواثيق الدولية كافة التي تكفل حق الإنسان في الحياة والتي تحرم تعذيب المعتقلين.