"الفقر" يفترس عائلة فلسطينية في غزة!

نجوم احدى بنات العائلة الفقيرة
نجوم احدى بنات العائلة الفقيرة

غزة-محمد أبو حية

"يا أهل الخير والعطاء والقلوب الرحيمة, نحن أسرة محتاجة ونعيش في بيت بالإيجار, وزوجي لا يعمل, ونريد مساعدة 20 شيقلا لأشتري طعام, أتمنى ممن يقرأ الرسالة أن يكون في قلبه شفقة".

هذا نص رسالة خطتها سيدة فلسطينية من مدينة غزة لطفلها، وأوقفته على باب أحد المساجد يوم الجمعة الماضي, وراحت تراقبه من بعيد.

الطفل (بكر)، 11 عاما، طأطأ رأسه استحياء وهو يمسك بالورقة ويطوف بها على من انفضوا من المسجد، دون أن يعيره أيٌ منهم سمعه أو بصره.

أُغلقت أبواب المسجد، وعاد الناس لبيوتهم, وبقي الطفل يبحث بعينيه الواسعتين في المكان؛ علّه يجد شخصا ينقذ عائلته من براثن الجوع.

أمسك (بكر) بتَلابيب مراسل "الرسالة نت" لدى مروره في الطريق ووضع الورقة في كفه, وبدأ يتحدث عن ألم عائلته وهاج الدمع في مقلتيه.

رسالة الأم التي أمسكها (بكر) بأنامله المتقشفة تحمل في طياتها جرحا غائرا نُثر عليه الملح؛ لأنها لا تستطيع أن توفر لأطفالها فاكهة ولحم طير مما يشتهون.

بدت خريطة الفقر جلية على وجه الطفل, لكنها لا تزال بحاجة لمفتاح يفسر رموزها وألوان الأسى التي غيرت ملامح (بكر).

أصر الطفل على أن ننتقل للمكان الذي يعيش فيه مع والديه وأشقائه, للإطلاع على حياتهم في القرن الحادي والعشرين.

طرق (بكر) باب البيت الذي يستأجره والده (سامر) منذ 3 أعوام في مدينة غزة واستأذن لنا بالدخول للقاء عائلته.

جدران متهالكة بفعل الرطوبة, ومطبخ لا توجد فيه سوى بعض الأواني, وعتمة تلُفُّ البيت الذي لا تزوره الشمس إطلاقا.

يستلقي (سامر)، 29 عاما، على سرير معدني التهمه الصدأ وبلي فراشه, متقلبا فوقه من شدة الألم الذي لحق به جراء مرض عضال أصاب عظامه.

يضع (بكر) كفيه على وجهه حتى يخفي دموعه التي انهمرت وهو يراقب والده، قائلا إنه ترك الدراسة ليعيل إخوته ووالديه.

حلَّ الصمت بأرجاء المكان، وتعلقت عيون الجميع بالوالد الذي راح يئن ويتململ محاولًا الاعتدال في جلسته بعد أن أرهقه التأخر عن تناول الدواء الذي يعينه على الحركة لقضاء حاجته.

تنهمر حبات العرق على جبين الشاب العليل بسب حرارة البيت المسقوف بألواح الصفيح وانعدام التهوية.

يقول (سامر) إن الأمراض التي يعاني منها, ألمت به جراء العمل بمهنة "القصارة"، منذ كان له من العمر أحد عشر عاما.

ويوضح أنه لا يستطيع العمل بفعل التهابات جرثومية مزمنة أصابت مفاصل جسده، كما يعاني من الغضروف وقطع في الرباط الصليبي بقدمه اليمنى.

يحتاج الرجل لعمليات عدة، لا تتوافر إمكانية إجرائها في قطاع غزة، ما يستدعي السفر للخارج، بيد أن قلة المال تحول دون بدء علاجه.

ويشير (سامر) إلى أنه يعيش بالإيجار منذ 14 عاما, وقد استقر مؤخرا في غرفة مع مطبخ لا يتجاوز مترين ودورة مياه مقابل 400 شيقل شهريا.

يحصل الرجل على المبلغ المطلوب للإيجار من أهل الخير, بجهود نجله (بكر)، عبر رسائل تكتبها أمه؛ لتحثُّ أهل الخير على التصدق عليهم.

تجلس زوجة (سامر) في زاوية المكان، تهدهد طفلها على صدرها، وهو يتضور جوعا, وكأنها تقول له: "نم لا تشاركني المرارة والمحن".

تشتكي والدة (بكر) من مرارة العيش في غرفة الصفيح التي لا تقي حر الصيف أو برد الشتاء, موضحة أن الرطوبة وقلة التهوية تصيب أطفالها بأمراض عدة بين الفينة والأخرى.

يظهر ضعف التغذية جليًا على أطفال (سامر) الستة -3 ذكور و3 إناث- بينما تشكل رحلة البحث اليومي عن الطعام الهم الأكبر.

حبست الزوجة الصابرة أنفاسها وقبلت طفلها الذي غطّ في نوم عميق, وقالت إنها ترجو العيش الكريم لأسرتها وزوجها المريض.

وأكدت أن بها غصة؛ لعدم قدرتها على توفير ما يشتهيه أطفالها من طعام وفاكهة, مشيرة إلى أنها تمنعهم من مغادرة البيت خشية أن يشاهدوا شيئا فيشتهونه!

بنات (سامر): قمر 9 أعوام, وشمس 7 أعوام, ونجوم 6 أعوام, لوحة طفولية بريئة تبدو عليها عثرات الفقر والحرمان, ويكتفين بالابتسامة الممزوجة بالحزن أمام واقع الحياة الذي فرض عليهن.

تعيش العائلة بمبلغ زهيد من المال، يتلقونه من الشؤون الإجتماعية كل ثلاثة شهور, راجين أن تصل معاناتهم لنواب المجلس التشريعي الفلسطيني، والحكومة الفلسطينية، وولي الأمر كما يقولون.

ويفتقر بيت (سامر) لأي من الأجهزة الكهربائية, وغاز الطهي, كما أن ملابس الأطفال بالية، ولا يوجد لها بديل إذا اتّسخت.

تخشى (أم بكر) أن يأتي موسم المدارس وشهر رمضان المبارك والأعياد, والفقر يضع رحاله في بيتها؛ لكنها على ثقة بخالقها أولا، ثم بأهل الخير وأصحاب القلوب الرحيمة.