في الضفة.. إعلاميون تحت قبضة الأمن

اعتقالات السلطة في الضفة (أرشيف)
اعتقالات السلطة في الضفة (أرشيف)

غزة - لميس الهمص

تزداد معاناة صحافيي الضفة جراء مقص الرقيب الذي طال أصغر تفاصيل حياتهم حتى وصل الأمر إلى تعليقاتهم ومشاركاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

حالة الاعتقال والتهديد التي يتعرض لها الصحافيون في الضفة الغربية تكون بتهمة جاهزة تصلح للجميع وهي "قذف القامات العليا"، وذلك في ظل غياب ملحوظ للحريات العامة وحرية الصحافة.

حالة الصحافي محمد عوض المعتقل منذ ثلاثة أشهر واحدة من تلك الحالات التي صمت فيها الحقوقيون والنقابيون على جريمة اعتقاله، ما سبّب تمادي الأجهزة الأمنية في تهديده وتأجيل الإفراج عنه رغم براءته من التهم المنسوبة إليه وفق ذويه.

تهديد متعمد

لعبة الاعتقال ما بين جهازي المخابرات والأمن الوقائي تكررت مع الصحافي عوض أكثر من أربع مرات خاصة بعد تهديد أحد أفراد جهاز المخابرات الذي قال له إنه سيمكث في المعتقل أكثر من منزله.

ذلك التهديد وصمت المؤسسات المعنية دفعا عوض إلى إعلان الإضراب عن الطعام أملا منه في تحريك مياه قضيته الراكدة وفق شقيقه أحمد الذي ذكر لـ"الرسالة" أن محمد تعرض الإثنين الماضي لمحكمة إخلاء سبيل بكفالة، "لكنها أجلت حتى الأحد المقبل دون إبداء الأسباب".

وأشار إلى أنهم زاروا المعتقل السبت الماضي، "فأبلغهم محمد نيته الدخول في إضراب عن الطعام"، مبينا أن الأحد كان أول أيام إضراب الصحافي محمد، وموضحا أن السلطة منعت اعتصاما نظمته نقابة الصحافيين في الضفة الغربية أمام مقر وزارة الداخلية.

وطبقا لحديث شقيق المعتقل فإن مسؤول الأمن الوقائي في بيتونيا اجتمع والصحافي عوض بعد دخوله الإضراب عن الطعام، "ووعده بفصل ملفه عن ملفات باقي المعتقلين، ما يعني الإفراج عنه "، مؤكدا أن ذلك الوعد يدل على أنه لا توجد اعترافات أدلى بها محمد أثناء التحقيقات كما تزعم أجهزة الأمن.

يشار إلى أن عوض معتقل منذ تاريخ 19 فبراير، وهو واحد من مجموعة تضم ثلاثين شخصا وجهت إليهم تهمة تشكيل ميلشيات ضد السلطة.

وذكر أن اعتقاله تكرر على التهمة نفسها للمرة الرابعة ما بين الأمن الوقائي والمخابرات، "وفي كل مرة كان يفرج عنه بعد إثبات براءته من التهمة الموجهة إليه".

وانتقد أحمد صمت مؤسسات حقوق الإنسان في الضفة الغربية عن اعتقال شقيقه الذي جرى بطريقة غير قانونية، مشيرا إلى أن تلك المؤسسات لم تتدخل في قضية شقيقه حتى اللحظة منذ أكثر من ثلاثة أشهر.

واستنكر موقف وسائل الإعلام التي لم تتفاعل مع قضية الصحافي عوض إلا بعد إعلانه الإضراب عن الطعام رغم عضويته في نقابة الصحافيين، مبينا أن هناك جهودا للنقابة، "لكنها في نطاق محدود".

ولفت إلى أن محمد فقد حريته دون تهمة، "كما فقد وظيفته نتيجة تكرار اعتقاله"، موضحا أنه لم يخل سبيله سوى عشرة أيام بين آخر اعتقالين، ومؤكدا أن أجهزة الأمن داهمت منزلهم في منتصف الليل وعاثت فيه خرابا دون أي تبليغ أو إذن تفتيش.

ووفق شقيق المعتقل فإن وسيلة محمد الإعلامية لم تنفذ أي حراك للإفراج عنه، محملا المؤسسات المعنية المسؤولية عن حياة شقيقه خاصة أنه يتعرض للاعتقال المتكرر دون أي تهمة.  

تخفيف المعاناة

وكان محمد النمر وهو محامي مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية "سكايز" قد أكّد في تصريحات إعلامية سابقة أنّ محكمة بداية رام الله قررت في السابع من نيسان الماضي إخلاء سبيل الصحافي عوض بكفالة مالية قدرها خمسة آلاف دينار أردني.

ورغم إنجاز العائلة الإجراءات المطلوبة منها وقتذاك فإنّ المحكمة تراجعت عن القرار بعد ساعة نتيجة ضغط النيابة العامة عليها بحجة استكمال التحقيق معه.

المحامي ياسر صلاح الباحث في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان قال من جانبه إنهم زاروا برفقة نقابة الصحافيين الصحافي عوض للتأكد من وضعه الصحي، مشيرا إلى أن المعتقل أكد للهيئة أنه لم يضرب عن الطعام في ظروف محايدة بحضور النقابة.

وذكر صلاح لـ"الرسالة" أن اعتقال عوض لم يأت على خلفية صحافية بل سياسية كما يدعي المعتقل ذاته، مبينا أنهم تعاملوا معه على أساس أنه مواطن له حق في ظروف اعتقال صحية وسليمة ومحاكمات عادلة.

وأكد المحامي أنهم يبذلون قصارى جهدهم لتخفيف معاناة المواطنين خاصة المعتقلين "بغض النظر عن رأي ذويهم الشخصي في أداء المؤسسات الحقوقية"، موضحا أن الانقسام أثر على عملهم.

حلقة في المسلسل

وفي سياق الاعتقال والتهديد فإن الصحافي سامي الساعي من طولكرم الذي يعمل مراسلا لشبكة وطن الإعلامية يتحدث عن معاناته في انتهاك جهاز المخابرات في رام الله حريته بعد نشره مقالة على صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي هاجم فيها اتفاقيتي أوسلو ووعد بلفور.

وقال الساعي إنه تعرض للضرب المبرح على يد أفراد من جهاز المخابرات في مدينة طولكرم بعد استدعائه على خليفة نشر المقالة على صفحته الشخصية.

وأردف: "وجه لي جهاز المخابرات تهمة شتم الرئيس محمود عباس، ولقاء ذلك وضعت في الزنزانة إلى آخر النهار داخل مركز المخابرات العامة في طولكرم".

وأضاف في تصريح صحافي: "اعتقلت في 10-12-2012 بتهمة التحريض بعد نشري خبرًا عن مستشفى طولكرم الحكومي حين ألقى أحد المواطنين عبوة ناسفة على المركبة الخاصة بأحد الأطباء العاملين في المستشفى بعد نشر الخبر، وخلال التحقيق معي أخذوا هاتفي الشخصي لمعرفة مصادري".

الوضع سيئ

النائب المستقل في المجلس التشريعي د. حسن خريشة قال من جانبه إن وضع الحريات في الضفة الغربية سيئ للغاية، مشيرا إلى أن الحريات تنتهك على مرأى ومسمع من الجميع دون أن يحرك أحد ساكنا.

وذكر خريشة أن الانتهاكات وصلت الصحافيين نتيجة غياب أي سلطة رقابية، "فوصلت إلى الاعتقال والضرب والإهانة"، موضحا أن غياب المجلس التشريعي فتح الباب على مصراعيه لممارسة الانتهاكات بحقوق الانسان، ومؤكدا أن الفساد دخل تفاصيل حياة المواطن.

ونوه إلى أنه لا توجد أي مؤسسة تدافع عن حقوق ذلك المواطن، مبينا أن كثيرا من النواب لم يعودوا يحركوا ساكنا، ومشددا على أن إعلاء الصوت الجماعي للنواب سيخجل السلطة.

وحول تقييمه أداء مؤسسات حقوق الانسان في الدفاع عن المواطنين بين أن تلك المؤسسات تمول من الخارج، مشيرا إلى أنها تعمل وفق محددات يضعها الممول، ومؤكدا أن كثيرا من الجهات الممولة معنية باستمرار حالة الفوضى.

ولفت النائب إلى أن المؤسسات باتت غير معنية بفضح الانتهاكات، قائلا: "تلك المؤسسات تعيش حالة فساد أكثر من التي تعانيها السلطة".

اتهامات جاهزة

الإعلامية وفاء عبد الرحمن رئيس تحرير شبكة نوى ومدير مؤسسة فلسطينيات تقدمت من جهتها بشكوى إلى النيابة العامة في رام الله ضد نقيب الصحافيين الفلسطينيين في الضفة الغربية عبد الناصر النجار بتهمة "التهديد والتحقير والشتم" عبر الهاتف.

واتهمت النجار بالتهجم عليها وتهديدها عبر الهاتف بناء على خلاف في احتفالية اليوم العالمي لحرية الصحافة في مقر الهلال الأحمر.

وقالت عبد الرحمن إن النقيب اتهمها بالتعامل مع جهاز الاستخبارات الأمريكية CIA قائلا: "سأفتح عليك النار، وأفتح ملفك في CIA"، وهو ما دفع الصحافية إلى إغلاق الهاتف.

وأضافت: "الهجوم يستهدفني لأني امرأة أولا، فهو لن يجرؤ على توجيه هذا التهديد لرجل، وثانيا أعتقد أن أسهل وسيلة للدفاع هي الهجوم، فلعجز النقيب عن الدفاع عن موقفه في احتفال حرية الصحافة كان الأسهل أن يهاجمني ويسب علي".