الحل بسيناء بإعادة "الحبل السري" مع غزة

كتب وسام عفيفه

يعتقد من يروجون لفكرة أن مشكلة سيناء الامنية مرتبطة بغزة وان عزل سيناء وحصار غزة يحل مشكلتها الأمنية متجاهلين حقائق التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا, حيث ثبت العكس.

 فالحل يبدأ من غزة التي ترتبط بمصر بحبل سري لا يمكن فصله طالما لا توجد دولة فلسطينية وطالما يقسم الاحتلال غزة والضفة الى معتقلين كبيرين فيما تخضع كل فلسطين للاحتلال.

محاولات اطراف مصرية تصفية حساباتها الداخلية وتوظيف جريمة رفح (التي وقعت في الخامس من آب/أغسطس وراح ضحيتها ستة عشر جندياً مصرياً وأُصيب سبعة آخرون) سياسيا يعني اعادة انتاج سياسات النظام المصري السابق الذي لم يعِ أهمية ارتباط السيناويّين بقطاع غزة وتأثير سياسته تجاه القضية الفلسطينيّة في أهالي سيناء.

وكما يشير تقدير موقف اصدره مؤخرا المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات إلى أن منطقة شمال سيناء كانت تاريخيًّا مشدودةً إلى مدينة غزة بوصفها مركزًا حضريًّا تقليديًّا قديمًا وجاذبًا للأعمال التجاريّة، وسوقًا تجد فيها التجمّعات الصغيرة المتناثرة في شمال سيناء وجنوبها ما تحتاج إليه من السلع, وتوثّقت العلاقة بالذات عند وقوع قطاع غزّة تحت الإدارة المصريّة بعد حرب عام 1948.

وقد عزّزت أشكال العلاقة التجاريّة والارتباط الإداريّ العلاقات الاجتماعيّة بتصاهر العائلات والإقامة والسكن بين الفلسطينيّين والبدو –وفق التقدير, وأصبحت العلاقة الوجاهيّة العائليّة راسخةً بين أهالي منطقتي خان يونس ورفح الفلسطينيّتين ومنطقة الشيخ زويد، وبين قبائل وسط سيناء ونظرائهم في النقب الشماليّ .

"

الخطايا الامنية الاستراتيجية تسببت في تحويل سيناء الى منطقة رخوة بسبب السياسات المصرية السابقة

"

وقد تأثرت العلاقة سلبا بعد ترسيم الحدود بين مصر و(إسرائيل) لاحقًا في عام 1979 بتقطيع هذه العلاقة بين الجهتين، ووقوع أهالي سيناء تحت الحكم الأمنيّ الدائم، والتأثر بكل التطورات السياسيّة التي تجري في غزة بفعل سياسات الاحتلال (الإسرائيليّ)، ومنها أخيرًا تطوّر شبكة الأنفاق بين رفح الفلسطينيّة والمصريّة، والتي أصبحت منفذًا رئيسًا للتهريب بين الجانبين على نحو مطّرد مع نشوب الانتفاضة الفلسطينيّة الثانية في عام 2000.

ان الخطايا الامنية والأخطاء الاستراتيجية تسببت في تحويل سيناء الى منطقة رخوة بسبب السياسات المصرية السابقة –والتي لازالت قائمة- التي همشت سيناء بحكم بعدها عن مركز الدولة من جانب وعزلها عن محيطها الاقرب اما اجباريا بسبب الحدود مع (اسرائيل), او متعمدا بفصلها عن قطاع غزة, وترك العمق الاهم لمصر معلقا, مما جعلها تتحول الى مركز تهريب دولي من جانب, وملاذ للجماعات المنحرفة فكريا والعصابات من جانب اخر, ووضع سكان المنطقة البالغ عددهم نحو نصف مليون نسمة في دائرة الاتهام الدائم مع الاشارة الى تباين سكانها عن بقية أهل البلاد. وبحسب تقرير لمجموعة الازمات الدولية فثمة أقلية هامة تنحدر من أصولٍ فلسطينية مع أن معظم أفرادها مولودون في مصر. وأما بقية السكان فيطلق عليهم اسم "البدو"، وهم من قاطني شبه الجزيرة منذ زمنٍ بعيد. ويتمتع العنصر الفلسطيني بإحساسٍ شديد بالهوية الفلسطينية والارتباط بسكان غزة والضفة الغربية. أما البدو فلديهم هويةٌ متميزةٌ أيضاً؛ فهم شديدو الوعي بأصولهم التاريخية العائدة إلى شبه جزيرة العرب وهم ممن يتجهون شرقاً بطبيعتهم، كالفلسطينيين، وليس صوب بقية الدولة المصرية إلى الغرب منهم.

"

اعلام النظام السابق يهدف لتوريط القطاع وعزله بشكل كامل عن امتداده الجغرافي والديموغرافي في  سيناء

"

وبينما تشن الماكنة الاعلامية التابعة للنظام السابق حملة امنية ضد غزة بهدف توريطها وعزلها بشكل كامل عن امتدادها الجغرافي والديموغرافي في  سيناء يجهل القائمون على هذه السياسة علاقة الدم التي تجمع غزة مع اهل سيناء وهو ما ينوه اليه -تقدير موقف- من خلال التذكير  بالمشهد الآخر الذي عزّز المزاج العام السلبيّ من النظام المصريّ لدى أهالي سيناء بعد موقفه من العدوان (الإسرائيليّ) الدمويّ على قطاع غزة في شتاء 2008-2009. وذلك  ليس من باب التعاطف أو الشعور بالانتماء للقضية الفلسطينيّة القوميّة فحسب، بل لأنّ العدوان (الإسرائيليّ) الذي قوبل بتواطؤ من نظام مبارك، كان يمسّ مباشرةً عائلاتٍ سيناويّة لها أقارب في الشطر الفلسطينيّ ، ومنهم من استشهد أقارب له في هذا العدوان أو في الاعتداءات السابقة.

فيما لايزال الحل العسكري والامني يتجاهل الحلول الاخرى التي يفترض ان ينتبه لها الرئيس المصري الجديد والا يقع في فخ خيار المواجهة فقط, مع الاشارة الى ان عدد قتلى أبناء سيناء على يد عناصر الأمن المصريّ بلغ من عام 2001 وإلى بداية 2011 نحو 240 شخصًا معظمهم كان لهم ارتباطات عقائديّة أو مصلحيّة مع الفلسطينيّين في غزّة، ولم يكونوا مهرّبين كما ادّعى النظام، ولم يخضع أيّ من الضبّاط الذين أطلقوا الرصاص -أو أمروا بإطلاق الرصاص- للمحاسبة.

الحل لإنهاء ازمات سيناء يحتاج سياسات جديدة من القاهرة يبدأ جزء كبير منها من غزة وذلك بناء على المصلحة المصرية الفلسطينية لا على اساس الشروط والمصالح و(الاسرائيلية) لمستفيد الاكبر من استمرار دورة العنف في سيناء والحصار في غزة.