أسدلت فرنسا الستار قبل أيام على عهد «الساركوزية» لتفتح الباب على عهد «اشتراكي» جديد لن يكون في منأى عن الإرث الذي خلفه الرئيس السابق فرانسوا هولاند الذي فاجأ الجميع بتبدّل شخصيته، وسيكون عليه التعامل مع تحديات «ما بعد الساركوزية» بدءا من 15 أيار.
«لقد فعلتموها».. قالت مرشح الرئاسة السابقة سيغولين روايال مخاطبة جموع المحتفلين بفوز اليسار في انتخابات الرئاسة الفرنسية في ساحة الباستيل في باريس، ثم أضافت بعد تردد: «لقد فعلها»، مشيرة إلى فرانسوا هولاند الذي نجح في افتكاك الرئاسة من نيكولا ساركوزي بأغلبية 51,7% من الأصوات.. نصر انتخابي فاجأ الحلفاء قبل الخصوم.
فطوال أشهر كان نزيل الإليزيه الجديد عرضة لانتقادات شتى خلال انتخابات التصفيات الداخلية بين أقطاب الحزب الاشتراكي، وذلك تمهيدا لتعيين مرشح الحزب للرئاسة، فقد وصفته منافسته الأبرز مارتين أوبري برمز «اليسار الرخو»، في حين قالت منافسته الأخرى سيغولين روايال التي تقاسمته حياته طوال ربع قرن وأنجبت منه أربعة أبناء إنه «كسول واتكالي ومراوغ يخشى المواجهة وعاجز عن حسم مواقفه أو اتخاذ قرار».
ولكن التحول الجذري الذي ظهر به هولاند خلال المراحل الأخيرة من حملة ما بين دورتي انتخابات الرئاسة فاجأ جميع المراقبين، وبالأخص بعد أدائه في المناظرة التلفزيونية التي قضى فيها على آخر آمال ساكوزي في إعادة ترجيح كفة موازين القوى الانتخابية في مصلحته، وتوافق الجميع، بعد الوجه الحازم والكاريزما المفاجئة التي برهن عليها هولاند خلال المناظرة على أنه وضع قدما في الإليزيه.
وأجمعت تعليقات المحللين على أن التغيير في شخص هولاند ومساره وأسلوبه السياسي يذكّر إلى حد كبير بمقولة الرئيس الاشتراكي الأسبق فرانسوا ميتران الشهيرة بأن المقام الرئاسي في العرف السياسي الفرنسي -منذ قيام الجمهورية الخامسة- يعيد تشكيل شخصيات المرشحين، "ويكشف ما قد يخفى حتى على أقرب المقربين منهم من مواصفات الكاريزما والزعامة السياسية".
واللافت أن فرانسوا هولاند ظل الأقل استقطابا للأضواء من بين «صقور الحزب الاشتراكي» الشباب الذين اتخذ منهم الرئيس ميتران مستشاريه بعد انقلابه على الحرس القديم في الحزب.
وعمل هولاند إلى جانب ميتران 14 عاما (1981-1995)، ثم تولى قيادة الحزب الاشتراكي خلفا لليونيل جوسبان الذي عُيِّن رئيساً للحكومة عام 1997، ومع ذلك فإنه قوبل بالسخرية حين تقدم لأول استحقاق انتخابي محلي عام 2001 كمرشح لمنصب عمدة مدينة «تول» في مقاطعة «كوريز» المعقل السياسي التقليدي لجاك شيراك وزوجته برناديت التي ما تزال رئيس المجلس البلدي للمقاطعة إلى اليوم.. يومئذ نُقل عن الرئيس شيراك قوله متهكما: «من هذا الاشتراكي المغمور الذي زج به لمنافستنا في هذا المعترك الانتخابي؟.. حتى كلب ميتران «بالتيك» أكثر شهرة منه في مقاطعتنا».
ولكن هولاند المغمور افتك المنصب من آل شيراك على نحو مفاجئ، وإذا بجاك شيراك الذي سخر منه في بداياته يدعمه في معترك الانتخابات الرئاسية الأخيرة ضد ساركوزي المفترض أنه ورث شيراك في قيادة الغالبية اليمينية الفرنسية.
وفسر شيراك تأييده لهولاند بالتغيير الباهر في شخصيته، "فقد أعاد تفصيل منهجه وخطابه على مقاس المقام الرئاسي كما كان يقول الجنرال ديغول"، مما جعل شيراك يرى فيه الشخصية الكفيلة بأن تعيد إلى المنصب الرئاسي هيبته ووقاره اللذين ابتذلا في عهد ساركوزي.
وبعد فوز هولاند بالرئاسة أصبح المحللون الذين كانوا في السابق يرون في منهجه التوفيقي مؤشرا على «رخاوة فكرية» يأملون أن يؤهله ذلك لتجميع مختلف تيارات اليسار حول برنامج مشترك يتسم بالبراغماتية، ويزاوج بين التوجهات الاجتماعية ذات المنحى الاشتراكي للتكفل بأوضاع الطبقات البسيطة الأكثر تضررا من الأزمة الاقتصادية، وبين مقتضيات ترشيد الإنفاق العام لتفادي الوقوع مجددا في مطب عجز الميزانية الذي أدى إلى تفاقم أزمة الديون السيادية التي عصفت بكامل دول منطقة العملة الأوروبية المشتركة «اليورو».
ويرتقب أن تكون الشخصية التي سيزكيها الرئيس هولاند لرئاسة الحكومة المؤشر الأبرز الذي ستتوضح على ضوئه معالم التوجه السياسي والاقتصادي للعهد الجديد في فرنسا.
وقد عبّر هولاند في خطابه الأول في ساحة الباستيل بعد فوزه بالرئاسة عن اقتناعه بأن فوز اليسار في فرنسا سيطلق دينامية يسارية على الصعيد الأوروبي من أجل معالجة الأزمة الاقتصادية بسبل بديلة عن سياسات التقشف الليبرالية التي اعتمدها خلفه ساركوزي، وذلك بتعديل معاهدة الاستقرار الأوروبية لجعل دعم التنمية والتشغيل المحورين الأبرز في أداء حكومات الاتحاد.
ويعتقد الخبراء أن هولاند إذا نجح في فرض هذه الرؤية خلال القمة الأوروبية التي ستعقد في شهر حزيران المقبل فسيعالج أحد الإشكالات الأكثر تعقيدا في الإرث الساركوزي الثقيل.
أما على الصعيد الداخلي فقد قال إنه سيضع حدا لحالة الاحتقان وتأليب الفرنسيين بعضهم على بعض أو على المقيمين الأجانب في البلاد التي كانت سمة العهد الساركوزي، واعدا بأن تكون أولويته استعادة «وجه فرنسا الإنساني القائم على أنموذج العدالة والتآخي ونبذ العنصرية».