آلمني اعتقال أخي لدى السلطة

المحرر "أبو شرخ": أولوياتي الزواج وإكمال دراستي الجامعية

غزة – مها شهوان

في أول ليلة قضاها بعد التحرر من عتمة السجان لم يصدق المحرر معاذ أبو شرخ (31 عاما) أنه حر طليق، فخشي النوم كي لا يكون حلما عاشه لساعات؛ فالشعور بالحرية بعد ثماني سنوات خلف القضبان والتنقل من زنزانة لأخرى ليس بالأمر الهين لبطل محكوم عليه بـ18 مؤبدا لتخطيطه وتنفيذه لعمليات فدائية داخل (إسرائيل).

ورغم الشيب الذي غزا رأسه مع صغر سنه فإنه زاده وقارا وهيبة وعلما، حيث التقى بالعديد من القيادات في السجن وتعلم منها الصبر والقوة، ومن هنا نبشت "الرسالة" في أوراق المحرر المبعد أبو شرخ -أحد مهندسي عملية حيفا- للتعرف على ظروف اعتقاله والمواقف والحكايات التي أثرت به داخل معتقله.

التعذيب النفسي والزنازين

وفي باحة فندق الفينق على شاطئ بحر غزة حيث يمكث ضيفنا تحدث لـ"الرسالة" عن بداية عمله الجهادي قائلا: "التحقت بالمسجد منذ الصغر، وحينما بلغت الخامسة عشرة انضمت إلى صفوف المقاومة في حركة حماس"، مشيرا إلى أنه شارك في عدة عمليات تم على إثرها مقتل صهاينة وكان آخرها عملية حيفا التي أرسل لتنفيذها الاستشهادي محمود القواسمي وأسفرت عن مقتل 17 صهيونيا وإصابة 40 آخرين.

وبعد احتسائه لرشفة قهوة علق على عدم تنفيذه للعملية بنفسه بالقول: "يجب المحافظة على حياة القادة؛ فالطريق شاقة وعواقبها معروفة: إما الشهادة أو الأسر حتى يرحل الاحتلال".

ولكل مجاهد دوافعه التي جعلت منه ثائرا كالأسد يثور على العدو للنيل منه، وهذا ينطبق على أبو شرخ فهو ينتمي لأسرة مجاهدة بالإضافة إلى أنه وجد نفسه مجبرا على الدفاع عن بيته؛ "كون الاحتلال أمعن في ارتكاب الجرائم ضد أبناء الشعب الفلسطيني".

ورجع محررنا بذاكرته إلى عام 2003 حينما حاصر جنود الاحتلال بيته للقبض عليه، وقال: "نادى الجنود على أهلي والجيران لإخلاء المنازل وطلبوا مني تسليم نفسي"، مضيفا: "عند اعتقالي لم أتعرض للتعذيب الجسدي، فملفي كان جاهزا لديهم بعدما اعترف أحد زملائي تحت التعذيب بتورطي في عمليات ضد الاحتلال".

غير أنه استدرك قائلا: "لكني تعرضت للتعذيب النفسي خلال التحقيق معي، فقد وضعت بزنازين معزولة تحت الأرض وبقيت فيها حتى نقلت لسجن الرملة الذي مكثت فيه سنة، ثم عزلت شهرا كاملا في سجن هداريم المتميز بالرقابة الشديدة من الإدارة".

يذكر أن ضيفنا سبق واعتقل عام 2000م وحكم عليه بالسجن 10 شهور، وفي عام 2002 حوكم بالسجن ثلاثة أشهر وذلك على خلفية نشاطاته في الكتلة الإسلامية.

وفي المرة الأخيرة التي اعتقل فيها أبو شرخ حرمته إدارة السجون لمدة سنة ونصف من لقاء ذويه إلى جانب حرمانه من جمعه بسجن واحد مع أخيه الأسير تحت ذريعة أنهما يشكلان بلقائهما خطرا على أمن (إسرائيل).

وبمجرد السؤال عن ذويه لمعت في مقلتيه دمعه الاشتياق؛ فقد كان يأمل في لحظة الإفراج عنه بأن يحتضنهم  كباقي زملائه المفرج عنهم.. يقول أبو شرخ: "حينما كنت في الباصات ورأيت ذوي المحررين ينتظرونهم بت أتساءل أين أهالي؟!.. شعرت وقتها بالحزن لكن وبمجرد أن وطئت قدماي أرض غزة لم أشعر بالغربة؛ فقد احتضننا أهالي القطاع الذين استقبلونا بترحاب لا مثيل له".

يذكر أنه وقبل خروجه بشهرين تقريبا سمحت إدارة السجن بزيارة عائلته له باستثناء أخويه المعتقلين، ولكن بعد الإفراج عنه وإبعاده لغزة ما زال ينتظر قدوم والديه بعد تأديتهم لمناسك الحج.

تأثرت بـ"أبو الهيجا"

وفي بداية اعتقال أبو شرخ كان جل اهتمامه بالرياضة؛ لاعتقاده بأنه لن يخلد في السجن وسيعود لمنزله قريبا.. فقد كان يردد: "أنا لست سجينا"، ولكن فيما بعد أيقن أن الأبواب ستقيد حركته وتفكيره لمدة طويلة.

وأوضح كذلك أن علاقته بالمعتقلين خففت كثيرا من معاناته داخل الأسر، لافتا إلى أنه درس الخدمة الاجتماعية في معتقله ولم يتبق له سوى ساعات قليلة بالإضافة إلى أنه أنهى الهندسة المعمارية قبل اعتقاله.

وعلى صعيد الأزمات التي تعرض لها المبعد أبو شرخ في السجن فكانت عندما أصيب بخلل في  غدته الدرقية وماطلت إدارة السجن بعلاجه حتى ظن نفسه سيفارق الحياة، وحينها حول للعلاج البطيء بعد عام من إصابته، كما ذكر.

وخلال محاورة "الرسالة" له سألته عن الشخصيات التي أثرت فيه داخل معتقله، ووقتها صمت قليلا وشرد بذهنه وكأنه يستحضر مشهدا لقيادي له مكانة في نفسه، ثم عاد قائلا بنبرة حزينة: "تأثرت كثيرا بالقيادي جمال أبو الهيجا حينما شاهدته بالعزل منفردا، فقد بدت عليه علامات الهرم وكان يقضي كل حوائجه بيده المبتورة في غرفته المعزولة".

وأضاف: "السجن بحد ذاته تجربة لا مثيل لها؛ فالأسير يصقل شخصيته وتتوسع مداركه للأمور باحتكاكه بالأسرى القدامى ذوي الأحكام العليا، فقد كنا نتأثر بمعنوياتهم العالية كالمحرر روحي مشتهى وجمال النتشة ويحيى السنوار"، مستدركا: "نخجل أن نكون ضعفاء أمام تلك الشخصيات".

وعن المواقف المؤلمة التي أثرت فيه وتركت أثرا سيئا في نفسيته قال أبو شرخ بكلمات ممزوجة بالألم والحسرة: "شعرت بالعجز والألم عندما تم اعتقال أخي وكاد يموت من شدة التعذيب"، متسائلا: "كيف يجرؤ ابن القضية على ممارسة وظيفة الاحتلال ضد أبناء جلدته".

ووفق الأسير المحرر فإن من أبرز المضايقات التي يتعرض لها الأسرى ويتمنون إنهاءها التفتيش العاري لما فيه من إهانة لهم، "إلى جانب تفتيش الغرف عبر وحدات مكافحة المخدرات "المتسادا" التي تأتي في أي وقت لتدمير الغرف وللبحث عن الهواتف المحمولة".

وأشار أيضا إلى أن "البوسطة" التي ينقلون فيها من سجن لآخر تزعجهم بشدة؛ فهم يوضعون فيها مكبلي اليدين والرجلين ويمكثون في بعض الأحيان لـ12 ساعة، لافتا إلى أن الأسرى المرضى يحملون داخلها دون مراعاة لظروفهم الصحية السيئة.

وروى أبو شرخ أنه التقى بالبوسطة مع المحرر زكريا عيسى الذي أفرجت عنه سلطات الاحتلال قبل ما يقارب ثلاثة شهور، "وحينئذ كان على وشك الموت ورغم ذلك رفضوا نقله بسيارة مريحة مرددين: صحتك جيدة"، موضحا أنهم بعدما اكتشفوا إصابته بمرض سرطان العظام أطلقوا سراحه ليقضي بقية أيامه بين أهله.

الصفقة ومباراة كرم القدم

وكان لضيف "الرسالة" -أبو شرخ- حديث عن الصفقة، فهو -وفق قوله- حينما علم باختطاف المقاومة لشاليط أخبر ذويه أنه لن يخرج كون الأولوية للأسرى القدامى، مشيرا إلى أن الصحف الإسرائيلية نشرت اسمه ضمن قائمة المرفوضين إلى أن جاء فيما بعد الخبر اليقين بأنه سيكون من المفرج عنهم.

ويستذكر حينما جاء خبر الاتفاق النهائي حول الصفقة قائلا: "كنت وزملائي نشاهد مباراة كرة القدم وجاء أسفل الشاشة خبر عاجل عن إتمام الصفقة.. وقتها لم نعر اهتماما للموضوع باعتبار أن وسائل الإعلام تناولته كثيرا دون تحقيق أي نتائج"، مضيفا: "لكن بعد لحظات من رؤيتنا للخبر بدأت تتوالى وتتأكد لنا الأخبار السارة سواء من الجانب (الإسرائيلي) أو الفلسطيني، ووقتئذ تعالت أصواتنا بالتكبير والهتافات وسجدنا شكرا لله لإغاظة السجان".

وأكمل حديثه قائلا: "بعد ساعات بدأت قوائم الأسماء المرفوضة تتسرب إلينا وقرأتها على زملائي بالقسم، وبدأ صوتي يخفت شيئا فشيئا كونهم الأحق منا بالخروج".

أما قضية الإبعاد إلى غزة فلم تزعج أبو شرخ؛ فهو يشعر بأنه بين أهله، وقد أبلغ ذويه أنه لن يعود للخليل في حال تحرره من السجن لإدراكه لثقافة الاحتلال التي قد ترجعه للأسر في أي لحظة.

وعلى صعيد قدراته الأمنية واستمراره بالعمل الجهادي ذكر أن الأسير يقدم جزءًا من حياته في مقتبل شبابه داخل الأسر، "لكن طالما أن الاحتلال موجود فلا بد من مقابلته بالمقاومة"، مبينا أن طبيعة نشأته الدينية التي ترعرع فيها تدفعه لمقاومة المحتل بكل الأساليب حتى تحرير فلسطين.

وفي بداية حكاية ابن الخليل التي ستبدأ من غزة تحدث أنه سيتزوج من فتاة غزية تتحمل مصاعب الحياة معه بالإضافة إلى أنه سيكمل دراسته الجامعية وسيندمج بالمجتمع ليعيش حياة أهل القطاع.