في تطور لافت يعكس تحولاً في طبيعة الاستهداف داخل قطاع غزة، كثّفت قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال شهر أبريل/نيسان من ضرباتها المباشرة ضد عناصر الشرطة والأجهزة الأمنية الفلسطينية، مستهدفةً إياهم أثناء أداء مهامهم المدنية. ويأتي هذا التصعيد في سياق يُنظر إليه على أنه محاولة لإعادة تشكيل الواقع الداخلي للقطاع، عبر إضعاف منظومة إنفاذ القانون ودفع المجتمع نحو حالة من الفراغ الأمني والفوضى المتصاعدة.
استهداف مباشر ومتكرر
ووفق معطيات وزارة الداخلية في غزة وتقارير حقوقية، نفذت طائرات مسيّرة (إسرائيلية) سلسلة من الهجمات التي استهدفت دوريات شرطية ومركبات أمنية أثناء تأديتها مهامها المدنية في مناطق متفرقة، من بينها الشيخ رضوان شمال غرب مدينة غزة، وخانيونس جنوب القطاع.
وأسفرت هذه الهجمات عن سقوط عدد من الشهداء والجرحى في صفوف الشرطة، كان أبرزها استهداف مركبة شرطية في مدينة خانيونس أثناء عودتها من مهمة فضّ شجار عائلي، ما أدى إلى استشهاد سبعة أشخاص، بينهم ضابطان ومعاونا شرطة، إضافة إلى ثلاثة مدنيين، وإصابة آخرين.
كما وثّق مركز غزة لحقوق الإنسان استهداف دورية شرطة قرب مركز شرطة الشيخ رضوان بتاريخ 24 أبريل، ما أدى إلى استشهاد عنصرين وإصابة آخرين، إلى جانب هجمات أخرى طالت نقاطاً أمنية في مناطق البريج وحي الأمل وخان يونس خلال الأيام السابقة.
نمط ممنهج لتفكيك الأمن
يرى مركز غزة لحقوق الإنسان أن هذا التصعيد يأتي ضمن نمط متكرر يهدف إلى إضعاف سلطة إنفاذ القانون، وخلق فراغ أمني متعمد، بما يتيح المجال أمام تنامي نشاط المجموعات المسلحة الخارجة عن القانون والمتعاونين، على حساب أمن السكان المدنيين.
وأكد المركز أن استهداف عناصر الشرطة الذين يؤدون مهام مدنية في حفظ النظام وتأمين الممتلكات العامة والخاصة، يمثل انتهاكاً صارخاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبدأي التمييز والضرورة، وقد يرقى إلى جرائم حرب.
تداعيات خطيرة
هذا التصعيد لا يقتصر أثره على الخسائر البشرية، بل يمتد إلى تهديد مباشر لبنية المجتمع، حيث يؤدي غياب الشرطة إلى تفاقم حالات الفلتان الأمني، بما في ذلك نهب المساعدات الإنسانية، والاعتداء على الممتلكات، وتصاعد نشاط العصابات والمليشيات.
وفي هذا السياق، حذّر المختص في الشأن الأمني رامي أبو زبيدة من أن استهداف البنية الشرطية لا يحقق تفوقاً عسكرياً مباشراً، بقدر ما يفتح الباب أمام تفكك داخلي تدريجي، يبدأ من الأسواق وينتهي بتآكل الثقة بين أفراد المجتمع.
وأضاف أن غياب الجهة القادرة على ضبط السلوك العام يؤدي إلى ظهور بدائل خطرة، تشمل مجموعات فوضوية وشبكات تستثمر في حالة الانهيار، سواء بدوافع إجرامية أو أهداف أكثر تعقيداً.
ويشير أبو زبيدة إلى أن المعركة لم تعد تدور حول وجود الشرطة بحد ذاته، بل حول بقاء فكرة النظام كركيزة لحياة الناس، في ظل محاولات دفع المجتمع نحو حالة من الفراغ الأمني.
ويضيف أن الحفاظ على التوازن المجتمعي في ظل الاستهداف يتطلب نموذجاً مرناً يقوم على توزيع الأدوار بين المؤسسات والمجتمع، وتعزيز الوعي الجمعي، لمواجهة مخاطر الفوضى التي قد تلتهم الجميع.
إدانات ومطالبات بالتحرك
من جهته، أدان مركز غزة لحقوق الإنسان هذا التصعيد، داعياً المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لوقف استهداف أجهزة إنفاذ القانون المدنية، وفتح تحقيقات دولية مستقلة لمحاسبة المسؤولين.
كما طالبت وزارة الداخلية في غزة الوسطاء الدوليين بالتدخل الفوري لوقف هذه الاعتداءات، التي تطال بشكل مباشر أمن المدنيين واستقرارهم.
وفي السياق ذاته، اعتبر عضو قيادة التجمع الوطني للقبائل والعشائر والعائلات الفلسطينية، الدكتور علاء الدين العكلوك، أن استهداف الشرطة يمثل "جريمة مركبة" تهدف إلى زعزعة الجبهة الداخلية وإغراق المجتمع في مزيد من الفوضى، داعياً إلى توفير حماية عاجلة لعناصر الشرطة وتمكينهم من أداء مهامهم.
في ظل هذا المشهد، تبدو غزة أمام اختبار معقد بين الانزلاق نحو الفوضى أو إعادة إنتاج منظومة أمنية قادرة على التكيّف مع واقع الاستهداف.
ورغم الضغوط، يؤكد مراقبون أن المجتمع الغزي، الذي اعتاد العمل تحت ظروف استثنائية، يمتلك القدرة على ابتكار أدوات صمود جديدة، تعيد تعريف الأمن كمسؤولية جماعية، وتحدّ من تداعيات استهداف مؤسسات إنفاذ القانون.
ويبقى السؤال الأبرز: كيف يمكن حماية المجتمع في ظل استهداف الجهة المسؤولة عن حمايته؟ وهو سؤال يعكس عمق التحدي الذي يواجهه قطاع غزة في هذه المرحلة.