“ساجدًا حتى النهاية”.. حكاية رجل كتب قبره بيديه في غزة

الرسالة نت - خاص

يروي مصطفى نعيم، الطبيب من شمال قطاع غزة، قصة تظهر وكأنها من عالم الخرافة والغيبيات، ولكنها تجسد لحظة وعي أخيرة لمؤمن من غزة قبل الغياب.
يقول إنهم عثروا على جثمان جار لهم، مدفونة ومتحللة، بعد أيام من اختفائه خلال عملية الإجلاء من شمال غزة. كان الرجل قد أُصيب، ونزف لثلاثة أيام كاملة دون أن يتمكن أحد من الوصول إليه. هناك، في العراء، بين الألم والعزلة، أدرك أن النجاة لم تعد ممكنة.
ثم لم يصرخ، ولم يركض، ولم يترك نفسه للمصادفة؛ لأنه يعلم تمامًا أنه لا هروب من الموت في تلك اللحظة إلا إلى موت آخر.
لذلك فقد اختار مكانه الأخير بجانب شجرة، كأنها شاهد صامت على لحظاته الأخيرة. ثم بدأ، بما تبقى له من قوة، يغطي جسده بالتراب. لم يكتفِ بذلك، بل ترك أثرًا واضحًا: خاتمه مربوط بخيط، مع غصن صغير فوق التراب، علامة مقصودة لأهله… كأنه يقول: إن عدتم، ستجدونني هنا.
وحين عُثر عليه، لم يكن مستلقيًا، ولا ممددًا كما تترك الحروب ضحاياها عادة. وُجد في وضع السجود... ساجدًا… حتى النهاية.
ما فعله هذا الرجل هو فعل وعي عميق في أقسى لحظة ممكنة. لم يكن يستسلم، بل كان يحاول أن يحافظ على إنسانيته في لحظة تُسلب فيها كل إنسانية. حين عجز عن إنقاذ حياته، قرر أن ينقذ ما تبقى منها: كرامته، اسمه، وحقه في قبر يُعرف.
سجوده هو رسالة أخيرة. كأن النهاية لم تكن صراعًا فقط، بل أيضًا عودة هادئة إلى الإيمان، إلى لحظة تسليم بين الإنسان وربه، بعيدًا عن ضجيج الحرب.
أما الخاتم والغصن، فهما ربما أكثر ما يوجع في الحكاية. لأنهما يكشفان أن الرجل لم يفكر في نفسه فقط، بل في أهله—في حيرتهم إن اختفى، في بحثهم إن عادوا، في خوفهم من أن يصبح مجرد اسم مفقود. فترك لهم دليلًا، أثرًا صغيرًا، لكنه كافٍ ليقول: أنا هنا… لا تبحثوا أكثر.
في الحروب، يُقال إن الموتى أرقام. لكن هذه القصة تقول شيئًا مختلفًا تمامًا: أن الإنسان، حتى وهو ينزف وحيدًا، يمكن أن يكتب نهايته بيده… وأن يرفض أن يكون مجرد رقم تحت الركام.