القدس المحتلة - الرسالة نت
لا تزال قصص وبطولات الجاسوسية والمخابرات تمثل دوراً مهما وبارزاً في بلورة وعي وثقافة الشعوب، وتكون محل عزة وافتخار عند تحقيق إنجاز كبير في هذا المجال.
ولعل سجل جهاز المخابرات العامة المصرية حافل بكثير من هذه القصص الناجحة ومرصع بعمليات إعجازية في عالم المخابرات، ويبدو أن الدكتور أشرف مروان - صهر الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر-، الذي مر ما يربو من أربع سنوات على سقوطه من شرفة إحدى الأبنية السكنية الشهيرة بوسط العاصمة البريطانية لندن ومقتله في الحال، صورة مضيئة من صور الانتصار العربي والمصري على الكيان الصهيوني، وجهازه الأخطبوطي "الموساد"، بعد الكشف عن نجاحه في تجنيد رئيسه للعمل في خدمة المخابرات المصرية.
ظلت هوية الدكتور مروان، محلاً للخلاف والجدل بين الأوساط المخابراتية والعسكرية في "إسرائيل" ، وهل ما إذا كان جاسوساً خالصاً ومخلصاً لإسرائيل، أم كان جاسوسا مزدوجا يعمل لصالح المخابرات العامة المصرية والموساد في الوقت ذاته؟.
هذه الحالة الجدلية المتزايدة التي سيطرت على الساحة المخابراتية في "إسرائيل" عقب الكشف عن هوية العميل" بابل" – أشرف مروان- على يد إيلي زعيرا رئيس المخابرات العسكرية "الاسرائيلية" إبان حرب السادس من أكتوبر، انعكست من خلال الكم الهائل من المقالات والتحليلات ، بل والكتب التي حاولت فك شفرة الدكتور مروان وحل لغزه، كان أبرزها كتاب بعنوان "الملاك" الذي أكد مؤلفه على أن صهر رئيس مصر السابق كان أعظم جواسيس الموساد "الإسرائيلي" على مر تاريخه.
لكن المفاجأة الكبرى – ورغم تأكيدات دوائر رسمية مصرية بأن مروان كان مصرياً وطنياً مخلصاً- جاء في تقرير خاص نشره مؤرخ عسكري "إسرائيلي" يدعى ، شمعون ميندس، أكد فيه أن مروان لم يكن أبداً جاسوساً "إسرائيلياً"، بل على العكس تماماً، حيث جنّد رئيس الموساد تسيفى زامير – خلال فترة حرب أكتوبر- وجعله يعمل لحساب المخابرات العامة المصرية.
الخداع الاستراتيجي
المفاجأة التي فجَّرها المؤرخ العسكري "الاسرائيلي" جاءت في سياق تقرير وثائقي بعنوان "أشرف مروان الجاسوس الذي كان يشغل رئيس الموساد" نشره بمجلة "منتدى الشرق الأوسط" العبرية المتخصصة في الشئون الاستراتيجية.
وقد حاول ميندس في تقريره إثبات وجهة نظره المخالفة لما هو سائد في "إسرائيل"، بأن أشرف مروان نجح في تجنيد رئيس الموساد لصالح المخابرات المصرية وليس العكس، من خلال تأكيده على الدور المحوري للدكتور مروان في استكمال لخطة "الخداع الاستراتيجي" التي وضعها الرئيس الراحل أنور السادات إبان حرب أكتوبر، وتجنيد رئيس الموساد بشكل لم يدرك معه أنه أصبح يعمل في خدمة المخابرات المصرية.
وقال "إن الخطأ الأكبر الذي وقع فيه رئيس الموساد هو أنه التقى بمروان، الذي استطاع السيطرة عليه بقوة شخصية، بل والأفدح من ذلك هو أن رئيس الموساد سعى لتوطيد علاقته بمروان، مما جعله أسيراً لأوامر الجاسوس المصري".
طُعم الموساد
وعلى غرار أفلام الجاسوسية الشهيرة، كشف المؤرخ "الإسرائيلي" في تقريره الخطير، النقاب عن محاولات عديدة أجرتها المخابرات المصرية لزرع نحو 40 جاسوساً لها في قلب "إسرائيل" من خلال توافدهم على مقر السفارة الصهيونية في العاصمة البريطانية لندن، لكنها باءت جميعها بالفشل ، سوى محاولة واحدة فقط ، هي التي نجح فيها الدكتور أشرف مروان بالذهاب لتلك السفارة في لندن، عارضاً خدماته بعد أن كشف عن هويته بأنه صهر الرئيس جمال عبد الناصر.
ووصف الخبير الصهيوني مروان بأنه كان الطُعم الذي أكله الموساد بواسطة المخابرات المصرية، وأن مرارة هذا الطُعم الذي أكلته "إسرائيل" لازال عالقاً في حلقها حتى الآن رغم مرور نحو ما يقرب من 40عاماً على هزيمة "الإسرائيليين" على يد جنود القوات المسلحة المصرية في حرب أكتوبر.
وأضاف شمعون ميندس فى سياق تقريره بأن مروان كان يتمتع بمواهب خاصة، لحد أنه لم يكن يخش من عرضه على جهاز كشف الكذب، وأن مصداقية المعلومات المخابراتية التي قدمها "لإسرائيل" جعلته يكتسب بسرعة ثقة قادة الموساد، لاسيما "تسيفى زامير" رئيس الموساد.
وتطرق ميندس إلى الدور الذي لعبه الرئيس السادات في خداع "إسرائيل" كلها قبل حرب اكتوبر، وأنه قد ساهم في ذلك استعانة المخابرات "الاسرائيلية" بتقديرات خبير الشئون العربية شمعون شامير- الذي عمل بعد ذلك سفيراً "لإسرائيل" لدى مصر1988-1991 وأول رئيس للمركز الاكاديمي الصهيوني بالقاهرة - التي أكد فيها من خلال تحليله لشخصية الرئيس السادات بأنه ضعيف الشخصية ولا يمتلك القدرة لكي يكون مثل جمال عبدالناصر.
هذه التقديرات وفقاً للمؤرخ "الاسرائيلي" أحدثت حالة من الارتخاء لدى تل أبيب، ساهم فيها بشكل كبير الدكتور أشرف مروان الذي نجح في تخدير "الاسرائيليين" بمعلوماته التي كانت بمثابة حقنة التخدير على حد وصفه، خاصة المعلومات التي أبلغها لرئيس الموساد بشأن اعتزام مصر شن حرب على "إسرائيل" قبل اندلاع حرب أكتوبر بأربع وعشرون ساعة فقط.
واعترف المؤرخ "الإسرائيلي" شميعون ميندس بأن خطة الخداع المخابراتية التي نفذها مروان قبل حرب السادس من اكتوبر ستُسجَل في التاريخ العسكري بأنها الأكثر عبقرية والأعظم تخطيطاً.
الانتصار العربي
واختتم ميندس تقريره وكعادة الصهاينة- وفى ذلك يتفق مع أقرانه من المحللين والمؤرخين في "إسرائيل"- بتوجيه الاتهامات للنظام المصري السابق بالمسئولية عن اغتيال الدكتور أشرف مروان في لندن، في محاولة للتغطية على مشاعر الانتقام التي يحملها "الاسرائيليون" له، زاعماً بأن النظام المصري اتخذ قرار اغتيال مروان لمنعه من كشف أسرار خطط الخداع المصري "لإسرائيل" في كتابه الذي كان يعتزم نشره عن مسيرة حياته.
على أية حال، ستظل حياة الدكتور أشرف مروان لغزاً محيراً أمام الجميع سيتم حله مع التوصل إلى أول خيط يدل على من قتله في لندن، وستظل تجربته الفريدة في خداع جهاز الموساد الصهيوني- الذي طالما ادعى كذباً بأنه أقوى جهاز مخابرات في منطقة الشرق الأوسط- نموذجاً من نماذج الانتصار العربي على الكيان الصهيوني.