الخليل .. التطهير العرقي والإبادة الخليل .. التطهير العرقي والإبادة

مقال: تلوث التربة يهدد اقتصاد غزة الزراعي

أحمد أبو قمر

تمتد خسائر القطاع الزراعي في غزة من حدود الأراضي التي جُرفت والمحاصيل التي دمرتها الحرب والمزارعين الذين فقدوا مصادر رزقهم إلى خطر أكثر تعقيدا يتمثل في احتمال تلوث التربة والمياه بما يهدد قدرة هذا القطاع على التعافي، حتى لو توقفت الحرب وتوافرت الأموال اللازمة لإعادة الإعمار.
من منظور اقتصادي، نحن أمام أزمة تتجاوز تدمير الأصول الإنتاجية إلى احتمال الإضرار بالموارد الطبيعية التي يقوم عليها الإنتاج نفسه. فالأرض الزراعية ليست مجرد مساحة يمكن حرثها وزراعتها مجددا وإنما رأس مال طبيعي يحتاج إلى سنوات من الاستثمار والرعاية حتى يحقق عائدا مستداما. وإذا تعرض هذا المورد للتلوث، فإن تكلفة استعادته ستصبح أعلى وستتراجع جدوى الاستثمار فيه مع مخاطر تمتد إلى الغذاء والصحة العامة.
وتعزز التحذيرات بشأن رصد مواد كيميائية خطرة في محاصيل وتربة ومياه قرب حدود القطاع هذه المخاوف وإن كان تحديد نطاق التلوث داخل غزة ومستوياته يتطلب فحوصا علمية ميدانية مستقلة وشاملة.
وتبدو خطورة هذه الأزمة أكبر عند النظر إلى حجم الانهيار الذي أصاب الإنتاج. فبعدما بلغت المساحات المزروعة قبل الحرب نحو 117 ألف دونم وتجاوز الإنتاج الزراعي مئات آلاف الأطنان، تشير التقديرات إلى تضرر نحو 80% من الأراضي الزراعية، فيما لم يتبقّ سوى جزء ضئيل منها صالحا للزراعة ويمكن الوصول إليه. وهذا يعني تراجع المعروض المحلي وزيادة الاعتماد على الواردات والمساعدات وارتفاع هشاشة الأسواق أمام قيود إدخال السلع وتقلبات الأسعار.
ولا يقتصر الثمن على خسارة المحاصيل وإنما يشمل فقدان فرص العمل وتراجع دخول الأسر وانكماش النشاط التجاري المرتبط بالزراعة، فضلا عن ارتفاع فاتورة الغذاء وإعادة التأهيل. وإذا أُهملت المخاطر البيئية فقد تتحول إعادة الزراعة إلى استثمار محفوف بالمخاطر لا يضمن سلامة المنتجات ولا استدامة العائد.
لذلك، أرى أن إنقاذ الزراعة في غزة يجب أن يبدأ بتقييم علمي مستقل للتربة والمياه وتحديد المناطق الآمنة للزراعة ووضع برنامج لمعالجة التلوث واستصلاح الأراضي المتضررة، بالتوازي مع إعادة تأهيل الآبار وشبكات الري وتوفير مستلزمات الإنتاج للمزارعين.
إن إعادة بناء الاقتصاد الزراعي لا تعني إعادة الأرض إلى شكلها السابق فحسب وإنما استعادة قدرتها على الإنتاج الآمن والمستدام. فالأرض الملوثة، إن ثبت تلوثها، لا تمثل خسارة حاضرة فقط وإنما تهديدا طويل الأمد للأمن الغذائي وفرص التعافي الاقتصادي في غزة.

بث مباشر