الخليل .. التطهير العرقي والإبادة الخليل .. التطهير العرقي والإبادة

مقال: اللاحسم نظامًا: الانتخابات الإسرائيلية من أزمة ائتلاف إلى هندسة إدارة الفلسطيني

عبد الناصر سعيد

قراءة استراتيجية في انتخابات الكنيست الـ26

مقدمة: لحظة انكشاف

لم تكن انتخابات الكنيست الـ26 مجرد سباق على 120 مقعدًا، بل لحظة انكشاف بنيوي كامل: نخبة بنت شرعيتها على مدار عقود على «إدارة الصراع» بدل حلّه، فوجدت نفسها أمام معادلة لا تُحكم بالبيانات ولا تُفكّ بالائتلافات التقليدية. النتائج — 53 مقعدًا لمعسكر بنيامين نتنياهو، و48 لمعسكر التغيير بقيادة غادي آيزنكوت، و19 مقعدًا تاريخيًا للقائمتين العربيتين — لا تؤكد فقط أن «الجمود» صار بنية ثابتة؛ بل تثبت أن النظام السياسي بات يُتقن تحويل العجز عن تشكيل حكومة إلى قدرة مطلقة على إدارة الفلسطيني: حربًا، واستيطانًا، واقتلاعًا، وحصارًا.

السؤال التقليدي الذي تطرحه وسائل الإعلام هو: من سيحكم إسرائيل؟ لكن السؤال الكاشف، الذي يغيب عن معظم التحليلات، هو: كيف يُدار الفلسطيني بينما إسرائيل لا تحسم؟

أولًا: اللاحسم ليس أزمة… بل نظام حكم

القراءة السائدة تعتبر «اللاحسم» خللًا: لا أحد يملك 61 مقعدًا، فتتعطل الدولة. لكن هذه القراءة تفترض أن إسرائيل تريد الحسم. والحقيقة أن الحسم في إسرائيل يعني قرارًا في فلسطين — انسحاب أم ضم، حل دولتين أم دولة واحدة — وكل جواب من هذه الأجوبة يفجّر الائتلافات لأنه يمس جوهر الإجماع الصهيوني. لذلك يصبح «اللاحسم» الصيغة الأكثر أمانًا: لا قرار تاريخي، لا التزام سياسي، لا مساءلة كبرى؛ فقط إدارة الصراع بلا حل، وإدارة الفلسطيني بلا شراكة.

وهذا ليس وليد اللحظة الراهنة. من أوسلو في 1993 الذي علّق الحل وأجّل القدس واللاجئين والحدود، إلى الانسحاب الأحادي من غزة في 2005 الذي دشّن نموذج «التخلص من العبء السكاني مع الاحتفاظ بالهيمنة الأمنية»، إلى صعود اليمين الديني-القومي الذي حوّل «تأجيل القرار» من تكتيك إلى عقيدة — تجنّب القرار تحوّل إلى إجماع خفي بين معسكرات تختلف على الأشخاص وتتفق على منع الفلسطيني من التحول إلى شريك سيادي. ثم جاء السابع من أكتوبر 2023 ليفضح العقيدة كلها: الصراع الذي يُترك دون حل ينفجر في وجه صانعه. لكن المؤسسة الإسرائيلية، بدل أن تذهب إلى الحل، هربت إلى تعميق اللاحسم وتحويله إلى حالة طوارئ دائمة.

ثانيًا: دسترة حكومة الحرب — الإدارة بلا حساب

في الفقه الدستوري الإسرائيلي، تخضع حكومة تصريف الأعمال لمبدأ «واجب ضبط النفس». لكن هذا القيد يسقط عمليًا ووجوديًا في المسائل الأمنية الكبرى والحروب. وهنا مفتاح المشهد: استمرار نتنياهو على رأس حكومة تصريف أعمال ليس فشلًا سياسيًا، بل هو الهدف الاستراتيجي الأمثل. فهو يمنحه صلاحيات حرب مفتوحة — إدارة المواجهة على جبهات متعددة في غزة ولبنان وإيران دون نيل ثقة الكنيست — وتجميدًا للاستحقاقات القضائية والسياسية. حكومة تدير أكثر مما تمثل، لكنها تملك تفويض القوة كاملًا.

وقد تجلّى ذلك في خطاب نتنياهو بعد إعلان النتائج، حين حذّر من «الزج بإسرائيل في مسار خطير عبر محاولة ترويج وتطبيع تشكيل حكومة تقوم على دعم قوائم عربية غير صهيونية»، معتبرًا أن «معسكر اليمين يملك الأغلبية الصلبة». هذا الخطاب ليس مجرد تعبئة انتخابية عابرة؛ إنه تأسيس لشرعية إقصاء أي ائتلاف لا يتبنى العقيدة الصهيونية الخالصة.

ثالثًا: «الفيتو المزدوج» — هوس النقاء الصهيوني

الرياضيات توحي بأن 48 زائد 19 يساوي 67 مقعدًا، أي أغلبية كافية للإطاحة بنتنياهو. لكن الواقع السياسي-الهوياتي يصطدم بما يمكن تسميته «الفيتو المزدوج».

الفيتو الأول يأتي من داخل معسكر التغيير نفسه: رفض أفيغدور ليبرمان وأربعة على الأقل من كتلة آيزنكوت أي حكومة تعتمد على الأصوات العربية، دعمًا أو امتناعًا. الفيتو الثاني يتمثل في رفض آيزنكوت أي تناوب تحت قيادة نتنياهو، وفي رفض الليكود فكّ تحالفه مع الصهاينة الدينيين والحريديم. العربي هنا صالح لملء الصندوق، لكنه مدان سياسيًا إن تحوّل صوته إلى مرجّح للحكم.

والنتيجة نظام فيتوات بنيوي يمنع أي أغلبية حقيقية، ويمنع معها أي قرار تاريخي في فلسطين. «اللاحسم» ليس نتيجة تقارب أرقام عرضية، بل هو نتيجة بنية هوياتية ترفض الاعتراف بالفلسطيني كشريك سيادي.

رابعًا: الإدارة لا تحتاج برلمانًا — غزة والضفة والقدس

بينما تشغل «أزمة تشكيل الحكومة» عناوين الصحف، يستمر الفعل على الأرض بمعزل عن المأزق البرلماني. في غزة، الحرب مستمرة، واللاحسم السياسي يعفي صناع القرار من التزام أفق لإنهاء القتال. في الضفة والقدس، الاستيطان والاقتحامات والتهويد والضم التدريجي لا توقفها حكومة تصريف أعمال؛ بل تتيح «الإدارة الأمنية» فرض وقائع يومية دون تشريعات برلمانية قد تثير حرجًا دوليًا.

الفلسطيني في غزة ليس ملفًا في برنامج حزبي؛ هو إنسان يُقتل أو يُجوّع أو يُهجّر وفق ميزان الائتلافات في تل أبيب، ووفق توقيت واشنطن. وهذا هو المعنى الأعمق لـ«اللاحسم نظامًا»: حكومة لا تحكم إسرائيل، لكنها تحكم حياة الفلسطيني وموته.

خامسًا: الـ19 مقعدًا — بين «الجدار الناعم» وفخ الشراكة

حصول القوائم العربية على 19 مقعدًا — نحو 16% من الكنيست — حدث كمي وسياسي غير مسبوق، لكنه يعكس مأزق «الجدار الناعم»: النظام يسمح للفلسطيني بالتصويت، لكنه يفرض جدارًا دون تحويل الصوت إلى تأثير سيادي. حين يقترب الصوت العربي من ترجيح كفة حكومة، ترتفع أصوات المؤسسة لتصنّفه «سرقة للانتخابات» و«تهديدًا لأمن الدولة»، كما أعلن الليكود مطالبًا الشرطة والشاباك بالتحقيق، وتحدثت يسرائيل هيوم عن «مجزرة برلمانية» إذا اعتمد آيزنكوت على العرب.

ديمقراطية لليهود وإدارة للفلسطيني: هذا ليس خللًا في النظام؛ هو جوهر المعادلة. الفلسطيني يُنتخب، لكنه يُنبذ؛ يُحصى صوته، لكن يُرفض أن يتحول إلى شراكة في القرار. وإلى ذلك، فإن التشرذم العربي بين براغماتية منصور عباس وشروط القائمة المشتركة يُضعف القدرة التفاوضية الجماعية، ويمنح المعسكر الصهيوني حجة إضافية للقول إن «العرب أنفسهم غير متفقين».

سادسًا: كوابح بلا بديل — واشنطن والاقتصاد

إدارة ترامب لا تبحث عن سلام عادل، بل عن «صفقة إقليمية» تخدم مصالحها: خطة غزة، توسيع التطبيع، احتواء إيران. لذلك ترى في تهميش بن غفير وسموتريتش فرصة أسهل لتمرير الترتيبات، لكنها تتردد في التدخل المباشر علنًا، مفضلة حكومة «وظيفية» تنجز المهام دون أزمات معلنة. ترامب يريد نتائج، لا حكومة إسرائيلية غارقة في ابتزاز شركائها المتطرفين.

أما الاقتصاد، فميزانية الدفاع تجاوزت 183 مليار شيكل، والعجز اقترب من 5% من الناتج المحلي، والدين زحف نحو 70%. بيد أن ما يُعدّ ضغطًا على الاقتصاد الإسرائيلي هو في المقلب الآخر إبادة وموت مباشر للفلسطيني؛ واللاحسم يوزّع نزفه على الإسرائيلي، لكنه يُحمّله كاملًا على الفلسطيني. الفارق بين «أزمة اقتصادية» و«كارثة إنسانية» هو الفارق بين من يُحاسب ومن لا يُحاسب.

سابعًا: اللاحسم هشّ — أماكن التصدع الخمسة

النظام الذي يؤجل لا يحلّ؛ يراكم. وهشاشته تتكشف في خمسة مفاصل متداخلة. أولها غياب الشرعية المستقرة: حكومة تدير أكثر مما تمثل، وكلما طال أمدها ازداد التناقض بين ضخامة القرار وهشاشة التفويض. وثانيها استنزاف الاقتصاد: لا يمكن بناء حرب مفتوحة بلا تفجير اجتماعي ومالي. وثالثها التصدع الداخلي الصهيوني بين المؤسسة الأمنية ورجال الأعمال والتيار القانوني وشظايا الليكود. ورابعها تآكل الشرعية الدولية مع تراجع حصانة الرواية الإسرائيلية في الغرب وتصاعد معارك الساحات القانونية الدولية والجنائية. وخامسها استحالة تدجين الفلسطيني، إذ أثبتت غزة أن الحصار لا يعني الضبط وأن «إدارة الصراع» ليست استقرارًا.

ثامنًا: كيف ينكسر اللاحسم؟ ومن يكسره؟

أكثر السيناريوهات قابلية للتأثير الفلسطيني هما: تصعيد شامل متعدد الساحات يُسقط قدرة إسرائيل على إدارة الجبهات منفصلة، ونزع الشرعية الدولية التدريجي الذي يضرب أساس الشرعية التي يستند إليها النظام. أما الانفجار الاقتصادي والانشقاق داخل الليكود والضغط الأمريكي، فهي فرص قد يستفيد منها الفلسطيني، لكنه لا يحرّكها مباشرة.

والحسم الحقيقي من الموقع الفلسطيني ليس إسقاط نتنياهو، بل فرض معادلة كلفة تجعل الاحتلال والاستيطان والأبارتهايد أعلى ثمنًا من إنهائها. التحول المطلوب ليس فقط سياسيًا داخل إسرائيل، بل استراتيجيًا في معادلة الكلفة: جعل الاحتلال، والحصار، والاستيطان، والإقصاء السياسي، كلها أعلى كلفة من التراجع عنها.

خاتمة: من يحكم الفلسطيني حين لا تُحكم إسرائيل؟

إذا كان سؤال الانتخابات في الإعلام: من يحكم إسرائيل؟ فإن سؤالها الحقيقي: من يحكم الفلسطيني حين لا تُحكم إسرائيل؟ الجواب كاشف: الفلسطيني يُحكم بواسطة حكومة لا تحكم إسرائيل؛ حكومة تصريف أعمال بلا أغلبية ثابتة، لكنها تملك تفويض القوة وأجهزة الأمن والميزانيات وحق القرار في الحرب والسلم.

إسرائيل قد تعجز عن إنتاج حكومة مستقرة، لكنها لا تعجز لحظة عن إنتاج أدوات السيطرة على الفلسطيني. «اللاحسم» ليس فراغًا؛ إنه امتلاء الفراغ بالهيمنة. وكل ما عدا ذلك — الفيتو المزدوج، ومناورات نتنياهو، وضغوط ترامب، وقلق الأسواق — تفاصيل داخل خلاصة واحدة: النظام السياسي الإسرائيلي يؤجل الحسم، لأنه يعرف أن الحسم يبدأ من الاعتراف بالفلسطيني.

لا حسم… لأن الحسم يعني فلسطين.

 

بث مباشر