حذّرت مسؤولة الإعلام والتواصل في المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، مها الحسيني، من التداعيات الخطيرة لتقليص برنامج الغذاء العالمي مساعداته لنحو نصف مليون شخص في قطاع غزة، مؤكدة أن القرار يفاقم الأزمة الغذائية في ظل عجز الأسر عن تأمين احتياجاتها الأساسية، واستمرار القيود المفروضة على دخول البضائع والمساعدات، وتدمير مصادر الرزق والإنتاج.
وقالت الحسيني لـ "الرسالة نت"، إن المرصد تابع الإعلان بقلق بالغ، إذ انخفض عدد المستفيدين من المساعدات الغذائية من 1.6 مليون إلى 1.1 مليون شخص، بالتزامن مع خفض الحصص الغذائية إلى النصف، ما يعني أن الضرر لا يقتصر على المستبعدين من قوائم المساعدات، بل يشمل أيضًا المستفيدين الذين تقلصت الكميات المقدمة إليهم.
وأضافت أن التخفيضات تحمّل الدول المانحة مسؤولية عاجلة لتدارك العجز، خصوصًا أن الأسر لم تستعد قدرتها على تأمين احتياجاتها بنفسها، بعدما تضررت مصادر رزقها وإنتاجها بفعل السياسات الإسرائيلية والقيود المفروضة على الإمدادات.
وأوضحت أن تقليص المساعدات ينعكس مباشرة على عدد الوجبات التي تستطيع الأسر توفيرها ونوعية الغذاء الذي يتناوله أطفالها، مشيرة إلى أن العائلات التي تعتمد على المساعدات قد تضطر إلى تقليل الطعام أو الاستدانة، أو اقتطاع نفقات الغذاء من احتياجات العلاج والمأوى.
ولفتت إلى أن نحو 1.4 مليون شخص، أي 67% من سكان القطاع، يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد عند مستوى الأزمة أو أسوأ، محذرة من أن تقليص الدعم يهدد بتفاقم سوء التغذية، خصوصًا بين الأطفال والحوامل والمرضعات وكبار السن.
وشددت على أن وجود السلع في الأسواق لا يعني قدرة الأسر على شرائها.
وأكدت الحسيني أن إنهاء الأزمة يتطلب تحركًا متزامنًا لتوفير التمويل ورفع القيود التي تمنع وصول الاحتياجات الأساسية إلى السكان، داعية الدول المانحة إلى سد العجز المالي بصورة عاجلة ومستدامة، والمجتمع الدولي إلى الضغط لضمان فتح المعابر وتدفق الغذاء والدواء والوقود بانتظام، وحماية العاملين في الإغاثة ووسائل نقل المساعدات.
وأضافت أن المعالجة لا تقتصر على توفير الغذاء، بل تشمل تمكين السكان من استعادة مصادر رزقهم، وإصلاح شبكات المياه والكهرباء، واستئناف الزراعة والصيد والإنتاج المحلي، مؤكدة ضرورة اقتران وقف إطلاق النار برفع الحصار واستعادة مقومات الحياة، وتوفير ضمانات تمنع استمرار تدهور الأوضاع، إلى جانب المساءلة عن الانتهاكات.
وحذّرت من أن استمرار إغلاق المعابر أو تقييد عملها ومنع دخول أصناف أساسية من البضائع يفاقم انعدام الأمن الغذائي القائم، ويدفع مزيدًا من الأسر نحو مستويات أشد من الجوع. وأوضحت أن القيود تطال أيضًا النقل والتوزيع داخل القطاع، ما يعرقل وصول الغذاء والدواء إلى مستحقيهما.
وشددت على أن تقييم الاستجابة الإنسانية لا ينبغي أن يقتصر على عدد الشاحنات المعلن عن دخولها، بل يجب أن يشمل الكميات التي تصل فعليًا إلى الأسر، وانتظام وصولها، ومدى تلبيتها احتياجات السكان.
وأكدت أن "إسرائيل" ملزمة بالسماح بمرور المساعدات وتيسيرها وحماية العاملين فيها، وألا تُستخدم الاحتياجات الأساسية للمدنيين وسيلة للعقاب أو الضغط السياسي.
التجويع ومخاطر الشتاء
وفي السياق، قالت الحسيني إن المرصد يرى، استنادًا إلى نمط السياسات التي وثّقها، أن الحرمان من الغذاء ومقومات الحياة يُستخدم لإخضاع السكان وتقويض قدرتهم على البقاء في أرضهم.
وأضافت أن تدمير المنازل ومصادر الإنتاج، والتحكم بالإمدادات ومنع التعافي، يخلق ظروفًا قسرية تدفع الفلسطينيين إلى النزوح، مشيرة إلى الترابط بين التجويع والتهجير القسري والتحكم بحركة المدنيين وأماكن وجودهم.
واعتبرت أن هذه الممارسات تأتي، وفق تقييم المرصد، في سياق جريمة الإبادة الجماعية المستمرة، من خلال فرض ظروف معيشية تستهدف تدمير المجتمع الفلسطيني، وليس فقط عبر القتل المباشر بالقصف.
وحذّرت الحسيني من أن اقتراب الشتاء سيضاعف المخاطر على السكان، في ظل نقص الغذاء والمأوى المناسب والمياه النظيفة والخدمات الصحية، واستمرار منع إدخال المساكن المؤقتة ومواد إصلاح المنازل، ما يترك العائلات بين خيام لا تحميها من البرد والأمطار ومبانٍ متصدعة قد تنهار.
ودعت إلى الإسراع بإدخال مستلزمات الإيواء والتدفئة، وتأمين الغذاء، وإصلاح شبكات المياه والصرف الصحي، وتوفير بدائل آمنة للعائلات المقيمة في المباني الخطرة، مؤكدة ضرورة التحرك قبل اشتداد الأمطار، وعدم انتظار وقوع وفيات بسبب البرد أو انهيار المنازل، ما دامت هذه المخاطر معروفة ويمكن الحد منها.