مؤسسة تقدم نفسها كمنظمة إنسانية، بينما يتركز نشاطها في إخراج فلسطينيين من غزة عبر مسارات تمر بمناطق يسيطر عليها الاحتلال ومطار رامون؛ فهل نحن أمام إجلاء إنساني أم بنية هادئة لمسار تهجير طويل الأمد؟
جواز سفر ساري المفعول، تسجيل إلكتروني، انتظار للموافقة، ثم رسالة تحدد الخطوة التالية.
هكذا تبدأ الرحلة التي تعرضها مؤسسة تحمل اسم "المجد أوروبا" على الفلسطينيين في قطاع غزة.
لا يعرف المتقدم منذ اللحظة الأولى بالضرورة الدولة التي سيصل إليها، ولا تفاصيل الطريق الذي سيغادر عبره، ولا طبيعة وضعه القانوني بعد الوصول؛ كل ما يعرفه أن هناك جهة تقول إنها قادرة على إخراجه من القطاع.
لكن من هي هذه المؤسسة؟ وكيف تستطيع جهة تقدم نفسها باعتبارها منظمة إنسانية مستقلة تنفيذ عملية لا يمكن أن تتم دون المرور عبر منظومة الاحتلال الأمنية ومعابره ومطاراته؟
هذه الأسئلة دفعت فريق التحقيق "الرسالة نت" إلى تتبع نشاط المؤسسة، وفحص واجهتها الإلكترونية، ومقارنة الخطاب الموجه للجمهور الدولي بذلك الموجه لسكان غزة، وتحليل شروط السفر والمسارات التي تعتمدها، ثم مقارنتها بالمشروع الإسرائيلي المعلن تحت عنوان «المغادرة الطوعية» لسكان القطاع.
وكلما تقدم التحقيق، برز تناقض أساسي: المؤسسة تعرف نفسها كجهة تُدخل الإغاثة إلى المجتمعات المنكوبة، لكن أكثر أنشطتها وضوحًا في غزة يتمثل في إخراج الفلسطينيين منها.
مغادرة طوعية
البداية من مشروع "المغادرة الطوعية"؛ لفهم نشاط «المجد أوروبا»، عاد فريق التحقيق إلى السياق الذي ظهرت فيه.
خلال عام 2025، بدأت الحكومة الإسرائيلية تنقل فكرة إخراج سكان غزة من مستوى التصريحات السياسية إلى مستوى التخطيط التنفيذي، إذ أعلن وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس التوجه لإنشاء آلية رسمية تتولى ما وصفه بـ«المغادرة الطوعية» لسكان القطاع إلى دول ثالثة.
وفي 17 فبراير/شباط 2025، أُعلن رسميًا عن إنشاء مديرية داخل وزارة الجيش لهذا الغرض، مع الحديث عن ترتيبات للمغادرة برًا وبحرًا وجوًا.
على الطرف الآخر، برزت مؤسسة تقول إنها قادرة على فعل الشيء ذاته عمليًا: تسجيل فلسطينيين، معالجة أوراقهم، إخراجهم من غزة ونقلهم إلى دولة ثالثة.
هذا التشابه لا يثبت وحده وجود علاقة تنظيمية بين المؤسسة والجهات الإسرائيلية، لكنه كان كافيًا بالنسبة لفريق التحقيق لفتح الباب أمام سؤال أكبر: هل تعمل المؤسسة داخل مسار يتقاطع وظيفيًا مع المشروع الإسرائيلي؟
تاريخ كبير وأثر صغير!
تقدم «المجد أوروبا» نفسها عبر موقعها باعتبارها منظمة إنسانية تأسست عام 2010 في ألمانيا، وتقول إنها عملت في سوريا وتركيا وغزة، وأن مقرها الرئيسي في القدس.
لو كانت المؤسسة تعمل بهذا الحجم منذ أكثر من عقد، يفترض أن يكون لها أرشيف طويل من التقارير والمشاريع والشركاء والحملات والمكاتب والأنشطة الإعلامية.
لكن فريق التحقيق لاحظ فجوة بين الصورة الكبيرة التي تقدمها المؤسسة عن نفسها وبين بصمتها المتاحة للعامة.
فالموقع يتحدث بصورة عامة عن مساعدات في تركيا وسوريا وغزة، لكنه لا يقدم سجلًا واسعًا وواضحًا للمشاريع السابقة، ولا تفاصيل كافية عن الشركاء أو حجم الإنفاق أو أماكن التنفيذ، كما لا يظهر لها حضور إعلامي أو إغاثي دولي يتناسب بسهولة مع رواية المؤسسة عن سنوات نشاطها.
ولاحظ الفريق أيضًا أن المواد المعروضة بشأن أنشطتها السابقة تظل عامة ومقتضبة، بينما يصبح الموقع أكثر تفصيلًا عندما يصل الحديث إلى السفر والتأشيرات والإجلاء.
ومن هنا ظهر أول سؤال استقصائي جوهري: إذا كانت «المجد أوروبا» مؤسسة دولية تعمل منذ عام 2010، فأين تاريخها المؤسسي المتراكم؟
موقع واحد بخطابين مختلفين!
خلال فحص الموقع، لاحظ فريق التحقيق اختلافًا واضحًا بين الواجهة الإنجليزية والواجهة الموجهة للفلسطينيين.
في النسخة الإنجليزية، تبدو «المجد أوروبا» كمنظمة إغاثية تقليدية، تتحدث عن الغذاء والعلاج ومساعدة ضحايا الحروب، وتطلب تبرعات لفئات مالية مختلفة.
لكن عند الوصول إلى رابط التسجيل الموجه لسكان غزة، يصبح النشاط أكثر تحديدًا: السفر والمغادرة.
يتحول الموقع من الحديث العام عن العمل الإنساني إلى طلب بيانات شخصية ووثائق سفر ومعلومات عائلية واستعداد للمغادرة.
وهنا يبرز تناقض لافت: لماذا تحتل الإغاثة مساحة واسعة في الخطاب الخارجي، بينما يصبح السفر هو الخدمة الأكثر وضوحًا وتفصيلًا عندما يكون الجمهور المستهدف هو سكان غزة؟
الجواز أولًا
بدأ فريق التحقيق بعدها بتفكيك شروط الخدمة؛ يظهر أن المسار يركز أساسًا على الفلسطيني الذي يملك جواز سفر ساريًا ويمكنه إدخاله بسرعة في ترتيبات السفر.
أما من لا يملك جوازًا صالحًا أو فقد وثائقه، فلا تظهر أمامه آلية استثنائية متكاملة تتناسب مع ظروف الحرب.
هذا يعني أن معيار الاستفادة لا يبدأ فقط من الحاجة الإنسانية أو مستوى الخطر، بل من القدرة الإجرائية على السفر.
فالأسرة التي تملك جوازات صالحة تصبح أقرب إلى الخروج، بينما تبقى أسرة أخرى في الظروف الإنسانية ذاتها خارج المسار لأنها لا تمتلك الوثائق المناسبة.
وهذا الفارق مهم؛ لأن برامج الإجلاء الإنسانية عادة ما ترتبط بالأولوية الطبية أو الخطر المباشر، فيما يبدو المسار هنا أقرب إلى خدمة سفر منظمة لمن تتوافر لديه الشروط.
وجهة مجهولة!
السؤال التالي كان: إلى أين يذهب المسافر؟ بحسب المعلومات التي راجعها فريق التحقيق، لا تعلن المؤسسة دائمًا دولة وجهة ثابتة مسبقًا، وإنما يجري تحديدها وفق الترتيبات المتاحة في مراحل متقدمة من الطلب.
قد يبدو هذا مبررًا من الناحية الإجرائية، لكن أثره على الفلسطيني كبير؛ فالشخص الذي يفكر في ترك غزة لا يختار بالضرورة بين البقاء ودولة يعرف قوانينها وظروفها، بل يدخل مسارًا قد يكتشف خلاله لاحقًا أين سيقيم وما نوع وضعه القانوني.
وهنا يصبح السؤال أعمق من مجرد حجز تذكرة: إلى أي حد يكون القرار حرًا ومكتمل المعرفة إذا كانت وجهة الحياة الجديدة نفسها غير واضحة عند بداية الرحلة؟

رامون.. النقطة الأكثر حساسية
أثناء تتبع مسار الخروج، وصل فريق التحقيق إلى الحلقة الأكثر أهمية: مطار رامون؛ فبحسب المسار الذي تتبعه عمليات السفر، يتم نقل المسافرين من غزة عبر حافلات، مرورًا بمناطق يسيطر عليها الاحتلال، ثم إلى خارج القطاع وصولًا إلى المطار.
هذا المسار لا يستطيع أي فلسطيني تنظيمه بصورة مستقلة؛ فالخروج من غزة يحتاج إلى موافقة إسرائيلية، والقوائم تمر عبر تدقيق أمني، والحافلات تتحرك في مناطق يسيطر عليها الجيش، والوصول إلى مطار إسرائيلي يخضع بالكامل للمنظومة الرسمية للاحتلال.
ومن هنا برز أمام فريق التحقيق سؤال يصعب تجاوزه: كيف تستطيع مؤسسة تقول إنها مستقلة تنفيذ عملية بهذا التعقيد دون تنسيق مباشر مع الجهات الإسرائيلية؟؛ هذا لا يثبت أن المؤسسة تابعة للاحتلال، لكنه يثبت أن إسرائيل ليست مجرد طرف جانبي في العملية، بل هي البوابة التي لا يمكن أن تتم الرحلة بدونها.
من التسجيل إلى الطائرة
تفاصيل دفعات سابقة تكشف أن المسار لم يعد افتراضيًا؛ المعادلة باتت واضحة: "تسجيل إلكتروني؛ ثم قوائم أسماء؛ فموافقات؛ ثم تجمع داخل غزة؛ بعدها نقل بالحافلات؛ فعبور مناطق يسيطر عليها الاحتلال؛ ثم الوصول إلى مطار؛ ثم السفر إلى دولة ثالثة؛ والمهم هنا ليس العدد وحده، بل إثبات أن الآلية قابلة للتنفيذ والتكرار".
فمجرد نجاح هذا المسار يعني أن المشروع لم يعد يحتاج إلى اختراع طريق جديد كل مرة؛ بل فقط إلى زيادة أعداد المسافرين والعثور على دول جديدة تستقبلهم.
بحسب المعلومات التي راجعها فريق التحقيق، يخضع المسافر لقيود كبيرة على الأمتعة والمبالغ النقدية.
حقيبة شخصية؛ وأوراق ثبوتية؛ ومستلزمات أساسية؛ ومبلغ مالي محدود.
قد تبدو هذه تفاصيل لوجستية، لكنها تكشف جانبًا أعمق؛ فالشخص لا يغادر كما يغادر مهاجر خطط لحياته الجديدة بهدوء، بل يخرج بأقل ما يستطيع حمله، بينما يترك خلفه منزله وممتلكاته وكل ما لا يمكن وضعه في حقيبة.
وهنا يصبح السؤال: هل هذه رحلة انتقال طبيعية، أم خروج اضطراري من مكان فقد فيه الإنسان القدرة على حمل حياته معه؟
المال.. الحلقة الغامضة
لم يجد فريق التحقيق في المواد التي اطلع عليها إجابات كافية حول البنية المالية لعمليات السفر.
المؤسسة تتحدث عن رسوم وتكاليف مرتبطة بالسفر والتأشيرات، لكن أسئلة أساسية تبقى مفتوحة:من يتلقى الأموال؟؛ ومن يدفع ثمن الحافلات والطائرات؟؛ ما حصة المؤسسة؟؛ وهل توجد جهات ممولة؟؛ وهل تتحمل جهات إسرائيلية أي تكاليف مرتبطة بالمغادرة؟
تتبع المال في مثل هذه الملفات لا يقل أهمية عن تتبع الحافلات، لأن معرفة من يمول العملية قد تكشف الكثير عن الجهات التي تقف خلفها.

اعلانات المنظمة
عند الوصول
من النقاط التي لفتت انتباه فريق التحقيق أن تركيز المؤسسة ينصب أساسًا على إيصال الفلسطيني إلى الدولة المستقبلة، بينما يصبح ترتيب حياته بعد الوصول مسؤوليته إلى حد كبير.
لا تظهر منظومة متكاملة تضمن له على المدى البعيد السكن والعمل والإقامة والحماية القانونية أو القدرة على العودة.
وهنا تظهر مفارقة رئيسية: "إذا كانت العملية ذات طابع إنساني، لماذا تبدو تفاصيل إخراج الفلسطيني من غزة أكثر وضوحًا من تفاصيل حياته بعد المغادرة؟"
هذا السؤال ربما يكون السؤال الأخطر؛ ماذا عن العودة؟ لم يجد فريق التحقيق في المواد التي فحصها ضمانة واضحة بأن الفلسطيني الذي يغادر غزة عبر هذه الآليات سيتمكن من العودة إليها مستقبلًا.
والفارق بين الإجلاء والتهجير يكمن أحيانًا في هذه النقطة تحديدًا؛ فالإجلاء الإنساني يفترض خروجًا مؤقتًا من منطقة خطر؛ أما خروج لا ترافقه ضمانة عودة واضحة، فقد يتحول مع الزمن إلى انتقال دائم للسكان.
ومن هنا يصبح السؤال ليس فقط: كيف يخرج الفلسطيني؟ بل: هل يستطيع العودة؟
هل المغادرة «طوعية» فعلًا؟
تصف إسرائيل مشروعها بأنه «مغادرة طوعية»، كما أن المسافر يسجل بنفسه؛ لكن فريق التحقيق وجد أن فهم كلمة «طوعي» يحتاج إلى النظر إلى البيئة التي يتخذ فيها الفلسطيني قراره.في مثل هذه الظروف يصبح السؤال القانوني والسياسي مشروعًا:
هل تكون المغادرة طوعية بالكامل عندما تكون بدائل البقاء قد دمرت أو تقلصت إلى الحد الأدنى؟
القسر لا يعني دائمًا وضع شخص داخل حافلة بالقوة؛ قد يتمثل أيضًا في خلق واقع تصبح فيه المغادرة الخيار الأقل سوءًا.
وضع فريق التحقيق مساري المؤسسة والاحتلال جنبًا إلى جنب.
في المسار الإسرائيلي:مديرية للمغادرة؛ دول ثالثة؛ مسارات برية وجوية؛ وتشجيع فلسطينيين على الخروج.
وفي مسار"المجد أوروبا" تسجيل فلسطينيين، وتجهيز أوراقهم؛ والحصول على موافقات.
إخراجهم عبر مناطق يسيطر عليها الاحتلال، واستخدام مطار رامون؛ والوصول إلى دولة ثالثة.
النتيجة في الحالتين واحدة:فلسطيني كان يعيش في غزة أصبح خارجها.
قد يبدو خروج مئات الأشخاص محدودًا مقارنة بعدد سكان غزة؛ لكن التحقيق لا ينظر إلى الرقم الحالي فقط، بل إلى النموذج الذي يجري بناؤه؛ فمئات اليوم يمكن أن تصبح آلافًا لاحقًا إذا توفرت الدول المستقبلة والتمويل والتنسيق.
** كشف حالات!
د. رامي عبده، رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، يكشف بأن المرصد رصد تحركات نشطة لتسهيل خروج أصحاب كفاءات ومهارات مهنية من قطاع غزة، بينهم أطباء وأكاديميون وباحثون، عبر سفارات وقنصليات ومسارات رسمية وغير رسمية.
وأوضح عبده أن بعض هذه الحالات جرى عبر منح تأشيرات خاصة أو تسهيلات عبور ومنح دراسية وفرص عمل وإجلاء عائلات، لافتًا إلى أن المرصد وثّق حالات لكوادر طبية تم تسهيل خروجها عبر قنوات قنصلية وسفارات بالتنسيق مع الاحتلال.
وحذر من أن الخطورة تكمن في تزامن هذه التحركات مع استهداف المنظومة الصحية وتدمير مقومات الحياة في غزة، بما قد يحول خيار المغادرة من قرار طوعي إلى نتيجة قهرية تفرضها الظروف، ويثير مخاوف من تفريغ القطاع من العقول والكفاءات.
وأشار عبده إلى أن المرصد تابع معطيات تتعلق بمنظمة "المجد أوروبا"، التي تنظم عمليات سفر لفلسطينيين إلى دول بينها جنوب أفريقيا وإندونيسيا، موضحًا أن معلومات متوفرة تشير إلى وجود أشخاص مقيمين في أوروبا يديرون جانبًا من أنشطتها.
وأكد أن الإجلاء الإنساني الطوعي لحماية الأفراد لا يخالف القانون الدولي، لكن أي عمليات منظمة تؤدي إلى خروج ممنهج للسكان أو الكفاءات، أو تفقدهم حق العودة، قد تدخل في نطاق التهجير القسري المحظور دوليًا.
ودعا عبده إلى تعزيز التوثيق القانوني والتحقيق في الجهات التي تنظم عمليات السفر، وملاحقة أي طرف يثبت تورطه في تحويل برامج الإجلاء والسفر إلى أدوات لتفريغ قطاع غزة من سكانه وكفاءاته.