1000 يوم 1000 يوم

بين جدل التوقيت وإشكاليات الشرعية

انتخابات التشريعي ديموقراطية على مقاس الرئيس

الرسالة نت - خاص

أعادت الدعوة لإجراء انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني إلى الواجهة نقاشًا واسعًا حول مستقبل النظام السياسي الفلسطيني، لكن هذه المرة في ظل غياب أي إعلان موازٍ عن الانتخابات الرئاسية، وهو ما أثار تساؤلات سياسية وقانونية بشأن جدوى تجديد مؤسسة واحدة دون غيرها، ومدى انعكاس ذلك على أزمة الشرعية التي تعيشها المؤسسات الفلسطينية منذ سنوات.

ويرى مراقبون أن الإعلان عن الانتخابات يأتي في مرحلة سياسية معقدة، تتزامن مع استمرار الحرب (الإسرائيلية) وتداعياتها، والانقسام الفلسطيني، وتراجع عمل المؤسسات الدستورية، الأمر الذي جعل من ملف الانتخابات محورًا لجدل يتجاوز تحديد موعد الاقتراع إلى طبيعة النظام السياسي وآليات إعادة بناء الشرعية الفلسطينية.

ويرى الكاتب والمحلل السياسي الدكتور إياد القرا أن الدعوة إلى إجراء الانتخابات في هذا التوقيت تثير جملة من التساؤلات السياسية والقانونية، في ظل استمرار غياب التوافق الوطني، واعتماد السلطة الفلسطينية خلال السنوات الماضية على إصدار قوانين الانتخابات بقرارات رئاسية عقب حل المجلس التشريعي، وهو ما أدى إلى إدخال تعديلات متتالية على النظام الانتخابي دون توافق وطني شامل.

وأوضح القرا أن قانون الانتخابات مر بعدة مراحل من التعديل، سواء فيما يتعلق بعدد أعضاء المجلس التشريعي أو آليات تشكيله.

وأشار إلى أن عدد الأعضاء شهد تغييرات متكررة، كما طُرحت مقترحات بإضافة أعضاء بالتعيين إلى المجلس، على غرار بعض التجارب البرلمانية العربية، وهو ما يمنح السلطة التنفيذية دورًا مؤثرًا في تشكيل المؤسسة التشريعية، ويثير تساؤلات حول استقلاليتها وتمثيلها الحقيقي للإرادة الشعبية.

وأضاف القرا أن لجنة الانتخابات المركزية تلتزم بتطبيق القانون النافذ، إلا أن الإشكالية الأساسية تكمن في طبيعة القوانين التي صدرت بقرارات رئاسية بعد حل المجلس التشريعي، الأمر الذي جعل الإطار القانوني المنظم للعملية الانتخابية محل نقاش سياسي وقانوني واسع.

و بين أن السؤال الأبرز يتعلق بأسباب الدعوة إلى الانتخابات في هذا التوقيت تحديدًا، لافتًا إلى أن السلطة سبق أن ألغت أو أجلت الانتخابات في أكثر من محطة؛ ففي عام 2017 أُلغيت الانتخابات بعد طعون قضائية، وفي عام 2021 أُعلن تأجيل الانتخابات العامة بذريعة رفض الاحتلال الإسرائيلي إجرائها في مدينة القدس المحتلة.

 ويرى القرا أن إعادة طرح الانتخابات اليوم، رغم استمرار كثير من الظروف السابقة، يعكس استمرار نهج التفرد في اتخاذ القرار أكثر من كونه استجابة لتوافق وطني شامل.

وأوضح أن القراءة السياسية تشير إلى وجود توجه لإعادة تشكيل المشهد السياسي في الضفة الغربية عبر تعديلات تسمح بترتيبات انتخابية جديدة، سواء من خلال نظام "الكوتا" أو منح صلاحيات أوسع في تعيين شخصيات داخل المجلس، بما يتيح احتواء بعض القوى أو الشخصيات القريبة من السلطة، ويحد من فرص بروز تكتلات سياسية منافسة قد تحقق حضورًا مؤثرًا في الانتخابات المقبلة.

وأضاف أن البيئة السياسية في الضفة الغربية لا توفر الظروف الطبيعية لإجراء انتخابات تنافسية، في ظل ما أحدثه الاحتلال الإسرائيلي من إنهاك سياسي وأمني نتيجة تصاعد الاستيطان والاقتحامات والاعتقالات، إلى جانب استمرار القيود المفروضة على العمل السياسي.

 كما ساهمت الإجراءات الداخلية، وفق تقديره، في إضعاف الحياة الحزبية، من خلال تراجع دور الفصائل والقوى السياسية، وإلغاء المجلس التشريعي والمحكمة الدستورية، الأمر الذي جعل اتخاذ القرارات السياسية يتم بصورة أكثر مركزية ودون رقابة مؤسسية فاعلة.

ولفت إلى أن التجارب الانتخابية الأخيرة، خصوصًا الانتخابات البلدية التي أُجريت في الضفة الغربية، أظهرت ملامح هذا الواقع، سواء من حيث محدودية المشاركة السياسية أو غياب التوافق الوطني، وهو ما يثير المخاوف من تكرار المشهد ذاته في أي انتخابات تشريعية مقبلة.

وأكد القرا أن الأزمة لا تكمن في مبدأ إجراء الانتخابات، وإنما في غياب الشراكة الوطنية الحقيقية، مشددًا على أن أي عملية انتخابية لا تشمل جميع القوى الفلسطينية، ولا تستند إلى توافق سياسي وقانوني، ستبقى محل جدل ولن تنجح في إنهاء حالة الانقسام أو تجديد الشرعيات الفلسطينية.

وأضاف أن الولاية الدستورية للرئيس الفلسطيني انتهت منذ سنوات، إلا أن استمرار إصدار القوانين والمراسيم الرئاسية أدى إلى تمديد الواقع السياسي القائم، مشيرًا إلى أن هذا التمديد حظي في مراحل سابقة بدعم سياسي وإقليمي، من بينها قرار صادر عن جامعة الدول العربية أبقى على الاعتراف بالرئيس محمود عباس، وهو ما وفر، بحسب تعبيره، غطاءً سياسيًا وإقليميًا، لكنه لا يشكل بديلًا عن الشرعية المستمدة من صناديق الاقتراع.

واعتبر أن أحد أبرز أوجه الخلل يتمثل في استمرار تجاهل انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، رغم أنه يمثل الإطار الجامع للفلسطينيين في الداخل والخارج، ويعد المؤسسة الأهم في ظل التحديات التي تواجه المشروع الوطني الفلسطيني، ومحاولات تكريس الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وتقليص صلاحيات السلطة الفلسطينية على الأرض.

وأشار كذلك إلى تغييب الإطار القيادي المؤقت لمنظمة التحرير واجتماعات الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية، رغم المطالبات المتكررة بعقدها، خاصة منذ بداية الحرب، بهدف بلورة رؤية وطنية موحدة وإدارة المرحلة سياسيًا بصورة جماعية، إلا أن هذا الإطار لم يُفعّل، الأمر الذي عمّق حالة الانقسام وأضعف فرص الوصول إلى استراتيجية وطنية مشتركة.

وأكد القرا أن نجاح أي انتخابات فلسطينية لا يرتبط فقط بتحديد موعد لها، وإنما بتوفير بيئة سياسية وقانونية تضمن الشراكة الكاملة، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية على أسس ديمقراطية، وإشراك جميع مكونات النظام السياسي الفلسطيني في صياغة المرحلة المقبلة، بما يعيد الثقة بالعملية الديمقراطية ويمنح المؤسسات المنتخبة شرعية وطنية حقيقية.

الانتخابات الرئاسية الغائبة.. سؤال قانوني ودستوري

من جانبه، يرى المحامي الدكتور عصام عابدين، المستشار القانوني السابق لرئاسة المجلس التشريعي الفلسطيني، أن التحول من انتخابات شاملة تشمل الرئاسة والتشريعي والمجلس الوطني إلى انتخابات تشريعية فقط يمثل تغييرًا جوهريًا في طريقة إنتاج الشرعية السياسية الفلسطينية.

ويقول عابدين إن انتخابات عام 2021 طُرحت باعتبارها مسارًا واحدًا ومتكاملًا لتجديد الشرعيات عبر صندوق الاقتراع، وإن قرار تأجيلها شمل الاستحقاقات الثلاثة مجتمعة، متسائلًا عن الأساس القانوني الذي سمح لاحقًا بالفصل بينها وإعادة ترتيبها بصورة انتقائية.

ويعتبر أن غياب الانتخابات الرئاسية عن أي جدول زمني واضح، في الوقت الذي تستمر فيه ممارسة صلاحيات واسعة بعد انتهاء الولاية الانتخابية، يعكس أزمة دستورية تتجاوز مجرد تأجيل موعد انتخابي، لتصل إلى طبيعة قواعد إنتاج الشرعية السياسية نفسها.

ويلفت عابدين إلى أن عودة المجلس التشريعي لا تقتصر على كونه مؤسسة تشريعية، بل تمتد آثارها إلى المجلس الوطني الفلسطيني بحكم العلاقة التمثيلية بين المؤسستين، ما يجعل أي تغيير في تركيبة المجلس التشريعي مؤثرًا في بنية التمثيل السياسي الفلسطيني الأوسع.

ويحذر من أن استمرار الاعتماد على الأمر الواقع بدل النصوص القانونية قد يؤدي إلى تكريس نظام سياسي موازٍ لا يستند إلى تفويض شعبي، مؤكدًا أن الشرعية لا تُنتج إلا عبر الإرادة الشعبية والانتخابات الحرة.

مسار وطني شامل

وفي السياق ذاته، دعا الائتلاف الأهلي للانتخابات إلى التعامل مع أي خطوة انتخابية باعتبارها جزءًا من مسار وطني شامل، وليس مجرد ترتيبات إدارية أو جزئية.

وأكد الائتلاف دعمه لإجراء انتخابات عامة رئاسية وتشريعية في جميع المحافظات الفلسطينية، بما فيها القدس وقطاع غزة، وبشكل متزامن وفي يوم واحد، معتبرًا أن الانتخابات تمثل حقًا أصيلًا للمواطنين ومدخلًا لتجديد الشرعية الديمقراطية وإنهاء الانقسام.

وطالب بإصدار مرسوم يحدد موعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية وفق جدول زمني واضح وملزم، داعيًا إلى إطلاق حوار وطني واسع يشارك فيه مختلف الفصائل والقوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني، بهدف تهيئة الظروف اللازمة لانتخابات جامعة.

كما رفض الائتلاف فرض أي شروط سياسية أو أيديولوجية على حق الترشح، مطالبًا بالعودة إلى الشروط القانونية الموضوعية الواضحة، محذرًا من أن القيود الفضفاضة قد تتحول إلى أدوات للإقصاء السياسي.

وشدد كذلك على ضرورة معالجة ملف القدس قبل موعد الانتخابات، وضمان مشاركة المقدسيين ترشحًا واقتراعًا ودعاية انتخابية، إضافة إلى تعزيز تمثيل المرأة بما لا يقل عن 30% في النتائج النهائية.

كما طالب بمراجعة النظام الانتخابي للمجلس الوطني الفلسطيني، خاصة ما يتعلق بتمثيل الفلسطينيين في الخارج والشتات، لضمان أن يكون التمثيل قائمًا على معايير واضحة وشفافة، وليس على التعيينات أو الاختيارات الانتقائية.

أزمة أعمق من موعد الانتخابات

وبينما تتواصل النقاشات حول الانتخابات المقبلة، يبدو أن الخلاف يتجاوز موعد الاقتراع أو شكل المجلس التشريعي القادم، ليصل إلى سؤال أوسع يتعلق بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني وآليات إعادة بناء شرعياته.

فبينما يرى محللون أن الانتخابات قد تشكل فرصة لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، يحذر آخرون من أن إجراء انتخابات مجزأة دون توافق وطني شامل قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة بدل حلها.

ويبقى السؤال المركزي: هل تمثل الانتخابات المقبلة بداية لمسار جديد يقوم على تجديد شامل للشرعيات الفلسطينية، أم أنها ستكون خطوة جزئية في إطار إدارة أزمة سياسية ودستورية ممتدة منذ سنوات؟

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير