1000 يوم 1000 يوم

"المزوزاه".. كيف تحولت تميمة دينية إلى أداة لفرض السيطرة وتهويد القدس؟

الرسالة نت - متابعة خاصة

لم تعد معركة الاحتلال الإسرائيلي في القدس المحتلة تقتصر على الاستيلاء على المنازل وتهجير سكانها الفلسطينيين، بل امتدت إلى محاولة إعادة تشكيل هوية المدينة ورموزها البصرية والدينية، في إطار مشروع متدرج يستهدف فرض واقع جديد على الأرض.

ومن بين أبرز الأدوات التي برز استخدامها خلال السنوات الأخيرة ما يُعرف بـ"المزوزاه" (Mezuzah)، وهي تميمة دينية يهودية تتكون من لفافة رقاقية مكتوبة عليها نصوص من التوراة، توضع داخل صندوق صغير يُثبت على العضادة اليمنى لأبواب المنازل، اعتقادًا بأنها تجلب البركة وتحفظ أهل الدار.

غير أن استخدام "المزوزاه" في القدس تجاوز وظيفتها الدينية التقليدية، لتتحول إلى رمز سياسي وبصري يُستخدم لإعلان السيطرة على العقارات الفلسطينية، وإضفاء طابع يهودي عليها، في سياق مشروع استيطاني يهدف إلى تهويد المدينة وتغيير معالمها التاريخية والديمغرافية.

عقار "الباشا".. أحدث حلقات فرض الرموز الاستيطانية

عاد استخدام "المزوزاه" إلى واجهة المشهد المقدسي خلال الأيام الماضية، بعدما علّق مستوطنون التميمة على مدخل عقار "الباشا" التاريخي في البلدة القديمة، عقب الاستيلاء عليه بقرار صادر عن سلطات الاحتلال.

وفي الثاني والعشرين من تموز/يوليو 2026، سيطر مستوطنون على العقار بعد إخلاء سكانه الفلسطينيين، قبل تحويله إلى مدرسة دينية يهودية. ولم تمضِ سوى ساعات على الاستيلاء عليه حتى ثُبتت "المزوزاه" على مدخله، في خطوة اعتبرها مقدسيون إعلانًا رمزيًا عن انتقال العقار إلى السيطرة الاستيطانية، رغم أنه يعود لعائلة فلسطينية عريقة، وأن السيطرة عليه جاءت بقرارات وإجراءات ترفضها المؤسسات الفلسطينية وتعدها جزءًا من سياسة التهجير القسري.

وأعاد هذا المشهد تسليط الضوء على توظيف الرموز الدينية كأداة لترسيخ الوقائع الاستيطانية وإعادة تشكيل المشهد البصري للمدينة.

من طقس ديني إلى إعلان سياسي

رغم أن "المزوزاه" تُعد في الموروث اليهودي فريضة دينية مرتبطة بالمنازل، فإن الجماعات الاستيطانية في القدس تستخدمها بطريقة تتجاوز بعدها التعبدي.

فبمجرد الاستيلاء على منزل أو متجر أو مبنى تاريخي فلسطيني، تكون الخطوة الأولى التي يقوم بها المستوطنون هي تثبيت "المزوزاه" على المدخل الرئيسي، وغالبًا بالتزامن مع رفع العلم الإسرائيلي، في رسالة سياسية وبصرية تعلن انتقال العقار إلى السيطرة الاستيطانية.

وبذلك تتحول التميمة إلى علامة ميدانية تؤكد، من وجهة نظر المستوطنين، انتهاء الوجود الفلسطيني داخل العقار وبدء مرحلة جديدة تحمل الهوية اليهودية.

طقوس دينية لتكريس السيطرة

ولا يقتصر الأمر على تعليق "المزوزاه"، بل تحرص الجمعيات الاستيطانية والحاخامات على إقامة طقوس واحتفالات دينية خاصة عند تثبيتها على أبواب المنازل والعقارات المصادرة.

وتحمل هذه المراسم رسالة سياسية واضحة، مفادها أن العقار انتقل نهائيًا من "اليد العربية" إلى "اليد اليهودية"، وأن هويته قد أُعيد تشكيلها.

كما تمنح هذه الطقوس غطاءً دينيًا لعمليات الاستيلاء والإخلاء، إذ تُصوَّر السيطرة على منازل الفلسطينيين وإحلال المستوطنين مكانهم باعتبارها "واجبًا دينيًا"، فيما تمثل "المزوزاه" الختم النهائي لهذه العملية.

ترسيم حدود جديدة داخل البلدة القديمة

وتستخدم الجماعات الاستيطانية "المزوزاه" أيضًا بكثافة في الأزقة والممرات المشتركة داخل البلدة القديمة، بهدف رسم حدود جغرافية ونفسية للمناطق التي تسيطر عليها.

ويرى مختصون أن انتشار هذه الرموز في المداخل والأزقة يخلق ضغطًا نفسيًا وبصريًا على الفلسطينيين، ويعزز شعورهم بالغربة داخل أحيائهم التاريخية، في محاولة لإضعاف حضورهم اليومي وإعادة تشكيل هوية المكان.

سياسة بدأت بعد احتلال القدس

ويعود استخدام "المزوزاه" كرمز للسيطرة إلى السنوات التي أعقبت احتلال القدس عام 1967، عندما بدأت سلطات الاحتلال والجمعيات الاستيطانية تثبيت هذه التمائم على مواقع وأبواب ذات قيمة تاريخية ودينية.

وكان باب النبي داود من أوائل المعالم التي وُضعت عليها "المزوزاه"، قبل أن تمتد هذه الممارسات إلى مواقع أخرى، من بينها باب الخليل وباب الأسباط.

كما تواصلت المحاولات لفرضها على بقية أبواب القدس التاريخية، بما في ذلك باب العمود وباب الساهرة والباب الجديد، ضمن مشروع يستهدف إعادة تشكيل المشهد التاريخي للمدينة وربطه بالرواية الإسرائيلية.

استهداف محيط المسجد الأقصى

وخلال السنوات الأخيرة، اتسع نطاق استخدام "المزوزاه" ليصل إلى محيط المسجد الأقصى المبارك.

ففي كانون الأول/ديسمبر 2025، ثبت مستوطنون، بدعم من سلطات الاحتلال، "مزوزاه" عند باب القطانين، أحد أبرز أبواب المسجد الأقصى وأكثرها أهمية، في خطوة أثارت رفضًا فلسطينيًا واسعًا، واعتُبرت محاولة لإضفاء طابع ديني يهودي على أحد المداخل التاريخية المؤدية إلى الحرم القدسي الشريف.

ويرى مقدسيون أن هذه الخطوة لم تكن حادثًا منفصلًا، وإنما تأتي ضمن سلسلة إجراءات تستهدف تغيير الطابع الإسلامي للمكان وفرض وقائع جديدة بصورة تدريجية.

الرموز جزء من مشروع تهويد شامل

ويؤكد مراقبون أن معركة الاحتلال لم تعد تقتصر على السيطرة على الأرض والعقارات، بل أصبحت تستهدف أيضًا الرموز والعناصر البصرية التي تشكل هوية القدس.

فكل لافتة تُستبدل، وكل اسم يُغيّر، وكل رمز يُثبت على منزل فلسطيني، يمثل حلقة في مشروع أشمل لإعادة صياغة المشهد التاريخي للمدينة، وإحلال الرواية الإسرائيلية محل الرواية الفلسطينية المتجذرة.

ومع ذلك، يؤكد المقدسيون أن تثبيت "المزوزاه" أو أي رمز آخر على العقارات المستولى عليها لا يغيّر وضعها القانوني أو التاريخي، ولا يمنح شرعية لعمليات الاستيلاء التي تتم في مخالفة للقانون الدولي، مشددين على أن هوية القدس بقيت عبر قرون مرتبطة بسكانها الأصليين، وأن محاولات تغيير معالمها لن تنجح في طمس تاريخها الإسلامي أو تغيير حقيقة ملكية منازلها ومقدساتها.

تصعيد متواصل في القدس

ويأتي هذا الاستخدام المتزايد للرموز الدينية في ظل تصاعد الانتهاكات الإسرائيلية في القدس خلال شهر تموز/يوليو الماضي، والتي طالت المسجد الأقصى والمقدسيين وممتلكاتهم، وشملت إطلاق النار، وسقوط شهداء وجرحى، وعمليات اعتقال وإبعاد، إضافة إلى هدم المنازل، والتهجير، والاستيلاء على الأراضي والعقارات.

كما شهد المسجد الأقصى تصعيدًا متدرجًا في الاقتحامات والانتهاكات، تزامن مع تحرك سياسي ورسمي إسرائيلي للدفع نحو تغيير الوضع القائم في المسجد، بلغ ذروته خلال ذكرى ما يسمى بـ"خراب الهيكل".

وخلال الاقتحامات اليومية التي تنفذها مجموعات المستوطنين، باستثناء يومي الجمعة والسبت، أُقيمت داخل المسجد الأقصى صلوات وطقوس دينية يهودية علنية وجماعية في عدة مواقع، بحماية شرطة الاحتلال، بالتزامن مع تشديد القيود على دخول المصلين المسلمين، في مشهد يعكس استمرار محاولات فرض وقائع جديدة على المدينة ومقدساتها.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير