منذ توليه حقيبة الأمن القومي في الحكومة الإسرائيلية، صعّد الوزير المتطرف إيتمار بن غفير سياساته العقابية بحق الأسرى الفلسطينيين، عبر إجراءات يصفها حقوقيون بأنها غير مسبوقة في قسوتها، شملت التضييق على ظروف الاحتجاز، والتجويع، والحرمان من العلاج، والاعتداءات الجسدية واللفظية، واقتحام الزنازين، إلى جانب الدفع بتشريعات ومشاريع أثارت انتقادات واسعة محلياً ودولياً.
وظهر بن غفير، أمس الجمعة، في مقطع مصور خلال اقتحامه زنزانة أسيرة فلسطينية في سجن عوفر غرب رام الله، حيث دار بينهما نقاش حول ظروف الاحتجاز داخل السجن.
واشتكت الأسيرة من سوء الطعام، وغياب المياه النظيفة، ومنع السجينات من الخروج إلى ساحة الفورة، وهي حقوق تكفلها القواعد الدولية الدنيا لمعاملة السجناء. إلا أن بن غفير رد عليها قائلاً: "الأكل يجب ألا يكون جيداً.. هذا ليس فندقاً"، قبل أن يضيف: "في الماضي كان فندقاً، أما الآن فلم يعد كذلك".
كما خاطبها قائلاً إن "من يرتكب أشياء سيئة يجب أن يفكر بما أقدم عليه"، ورغم نفيها ارتكاب أي جرم، واصل توجيه عبارات التقريع لها، في مشهد أثار موجة واسعة من الانتقادات.
اقتحامات متكررة وتهديدات مباشرة
ولا يعد اقتحام زنزانة الأسيرة حادثة منفصلة، بل يأتي ضمن سلسلة من الاقتحامات الاستفزازية التي نفذها بن غفير داخل السجون الإسرائيلية.
ففي أغسطس/آب 2025، اقتحم زنزانة الأسير الفلسطيني مروان البرغوثي، المعزول انفرادياً في سجن ريمون، ووجّه إليه تهديدات مباشرة، قائلاً: "سنمحو كل من يعبث مع شعب إسرائيل... لن تنتصروا".
وأظهرت الصور التي وثقت الزيارة تراجعاً واضحاً في الحالة الصحية للبرغوثي، الذي بدا شديد الهزال، في ظل ما تقوله مؤسسات الأسرى عن تعرضه، كغيره من المعتقلين، لسياسات تجويع وإهمال طبي.
وفي فبراير/شباط 2026، اقتحم بن غفير عنابر الأسرى في سجن عوفر برفقة مدير مصلحة السجون الإسرائيلية، قبيل حلول شهر رمضان، حيث رافق الاقتحام اعتداءات على الأسرى، واستخدام قنابل الغاز والصوت داخل الأقسام، إلى جانب توجيه الأسلحة نحو المعتقلين داخل الزنازين.
كما وثق مقطع آخر، نُشر في أكتوبر/تشرين الأول 2025، تجول بن غفير بين أسرى فلسطينيين مكبلين بالأصفاد داخل أحد السجون، متوعداً إياهم بالإعدام، قائلاً: "بقي أمر واحد يجب تنفيذه، وهو إعدامهم".
الانتهاكات تمتد إلى المتضامنين مع غزة
ولم تقتصر ممارسات بن غفير على الأسرى الفلسطينيين، بل امتدت إلى النشطاء الدوليين المشاركين في أسطول الحرية الساعي إلى كسر الحصار عن قطاع غزة.
ففي مايو/أيار الماضي، نشر بنفسه مقطعاً مصوراً يوثق تعامل قوات الأمن الإسرائيلية مع النشطاء بعد احتجازهم في المياه الدولية، حيث ظهرت إحدى الناشطات وهي تُسحب من شعرها بعد هتافها "فلسطين حرة"، بينما صرخ بن غفير في وجهها: "اخرسي"، ولوّح بالعلم الإسرائيلي قائلاً: "نحن أصحاب البيت".
التجويع سياسة معلنة
ومنذ اندلاع الحرب على قطاع غزة، تحولت سياسة التضييق على الأسرى الفلسطينيين إلى نهج معلن تتبناه وزارة الأمن القومي الإسرائيلية.
ففي يوليو/تموز الماضي، دافع بن غفير أمام المحكمة العليا الإسرائيلية عن الإجراءات المفروضة على الأسرى، خلال جلسة نظرت في التماس قدمته جمعية حقوق المواطن بشأن ظروف احتجازهم، متباهياً بسياسة تقليص الطعام المقدّم لهم.
وتشير مؤسسات حقوقية إلى أن هذه السياسة تسببت في انخفاض كبير بأوزان الأسرى، وتدهور أوضاعهم الصحية، نتيجة تقليص كميات الغذاء، والحرمان من المياه النظيفة، ومنعهم من الخروج إلى ساحات السجون، فضلاً عن الإهمال الطبي المستمر.
كما تؤكد تقارير أن أسرى في سجون، من بينها "كتسيعوت"، يتعرضون لظروف احتجاز قاسية تشمل النوم على أسِرّة حديدية دون أغطية، ومنعهم من مغادرة الأقسام لفترات طويلة.
تشريعات أكثر تشدداً
ولم تتوقف سياسات بن غفير عند الإجراءات داخل السجون، بل امتدت إلى المستوى التشريعي.
ففي 30 مارس/آذار 2026، أقر الكنيست الإسرائيلي قانوناً يسمح بإعدام الأسرى الفلسطينيين المدانين بقتل إسرائيليين إذا اعتُبر الفعل "عملاً إرهابياً"، أو إذا رأت المحكمة أن دافعه "إنكار وجود دولة إسرائيل".
وجاء القانون بمبادرة مشتركة من حزب "القوة اليهودية" برئاسة بن غفير، وعضو الكنيست نيسيم فاتوري من حزب الليكود، وحظي بموافقة 62 نائباً، مقابل معارضة 48 نائباً، وامتناع عضو واحد عن التصويت.
وأثار القانون إدانات فلسطينية وحقوقية واسعة، باعتباره يمثل تصعيداً خطيراً في التعامل مع الأسرى الفلسطينيين، ويتعارض مع مبادئ القانون الدولي الإنساني.
"سجن التماسيح".. مشروع لإرهاب الأسرى
وفي خطوة أثارت استغراباً واسعاً، تبنى بن غفير مشروعاً تجريبياً في سجن "كتسيعوت" يقضي بحفر خنادق مائية بطول 170 متراً حول بعض أقسام المعتقلين الفلسطينيين، لتربية التماسيح فيها، بزعم منع محاولات الهرب.
وخصصت وزارة الأمن القومي الإسرائيلية، وفق تقارير إسرائيلية، نحو 21 مليون شيكل لتنفيذ المشروع، وأكدت بدء تطبيقه في أحد أجنحة السجن، في خطوة اعتبرها مراقبون امتداداً لسياسات الترهيب النفسي والجسدي بحق الأسرى.
ويرى مختصون في شؤون الأسرى أن مجمل الإجراءات التي اتخذها بن غفير منذ توليه منصبه تعكس انتقال سياسة العقاب داخل السجون الإسرائيلية إلى مرحلة أكثر تشدداً، تقوم على تجريد الأسرى الفلسطينيين من أبسط حقوقهم الإنسانية، وتحويل أماكن الاحتجاز إلى أدوات للضغط والعقاب، في ظل استمرار التحذيرات الحقوقية من تدهور أوضاع آلاف المعتقلين داخل السجون الإسرائيلية.