كان الملعب هو المكان الذي يشعر فيه صهيب مرشد عدوان، ابن الثامنة عشرة من بيت حانون شمال قطاع غزة، بأنه أقرب إلى أحلامه. لاعب كرة قدم في نادي بيت حانون الأهلي، يقضي ساعات طويلة في التدريب، ويشارك في البطولات والسباقات، متطلعًا إلى مستقبل رياضي أكبر.
يقول صهيب: "كنت أعيش لكرة القدم، وكل حلمي أن أواصل اللعب وأتطور أكثر، ولم أتخيل يومًا أن أفقد قدمي."
لكن الحرب غيّرت كل شيء. فبعد عودته إلى المنطقة التي نزحت عنها عائلته، انفجر لغم من مخلفات الحرب، ليتحول ذلك اليوم إلى نقطة فاصلة في حياته. فقد ساقيه، بينما استشهد ابن عمه الذي كان يرافقه في المكان نفسه.
يستعيد تلك اللحظات بصوت مثقل بالألم: "لم أشعر إلا بالانفجار، وبعدها وجدت نفسي في المستشفى. عندما عرفت أن قدمي بُترتا، شعرت أن حلمي كله انتهى."
لم يكن فقدان الطرفين هو الجرح الوحيد. فالملعب الذي كان يجري فيه كل يوم أصبح ذكرى بعيدة، والكرة التي كانت تمنحه معنى لحياته صارت حلمًا يصعب الوصول إليه.
ويضيف: "أكثر شيء يؤلمني أنني لن أعود كما كنت، لكن الحمد لله على كل حال، وما زلت أحاول أن أكون قويًا."
ورغم قسوة التجربة، يرفض صهيب أن تكون الإعاقة نهاية قصته. يقول: "الحرب أخذت مني قدمي، لكنها لن تأخذ إرادتي. سأحاول أن أبدأ من جديد، وأتمنى أن أحصل على أطراف صناعية تساعدني على الوقوف والحركة."
و تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الحرب خلفت آلاف المصابين بإعاقات دائمة في قطاع غزة، بينهم أعداد كبيرة من الأطفال والشبان. كما لا تزال الذخائر غير المنفجرة المنتشرة في أنحاء القطاع تهدد حياة المدنيين حتى بعد مرورها، لتواصل حصد الضحايا وسرقة أحلام جيل كامل، تمامًا كما سرقت من صهيب ملاعبه، لكنها لم تستطع أن تنتزع منه الأمل في النهوض من جديد.
وبحسب بيانات وزارة الصحة في غزة، سُجلت نحو 6 آلاف حالة بتر أطراف منذ اندلاع الحرب، فيما تؤكد الأمم المتحدة أن ربع المصابين تقريبًا يعانون إصابات ستلازمهم مدى الحياة وتحتاج إلى تأهيل طويل الأمد. وفي مواجهة هذا الواقع، تحاول مبادرات رياضية محلية إعادة الأمل للمصابين، إذ شارك العشرات من مبتوري الأطراف في بطولات لكرة القدم أُقيمت داخل قطاع غزة، في رسالة تؤكد أن الإعاقة لا تعني نهاية الحياة أو الشغف بالرياضة. لكن بالنسبة للاعبين مثل صهيب، فإن العودة إلى الملاعب لا تتطلب الإرادة وحدها، بل تحتاج إلى أطراف صناعية، وتأهيل متخصص، وبنية رياضية دمرتها الحرب، لتبقى أحلام جيل كامل معلقة بين فقدان الأطراف والرغبة في الوقوف من جديد.