قبل الحرب، كانت أماني سامي شكشك (29 عامًا) تخوض معركتها مع سرطان الثدي، متمسكة بالأمل بأن ينتهي العلاج وتستعيد حياتها مع طفليها. لكن الحرب لم تترك لها فرصة لإكمال رحلة الشفاء، بل نقلتها من مواجهة المرض إلى مواجهة النزوح والجوع وانهيار النظام الصحي.
خضعت أماني لعدة جرعات من العلاج الكيماوي، التي أصبحت الخيار العلاجي الوحيد المتاح لها بعد تعطل الخدمات الطبية ونفاد كثير من الأدوية. لكن الأطباء أكدوا أن حالتها تتطلب علاجًا تخصصيًا لا يتوفر في قطاع غزة، وأبلغوها بضرورة السفر العاجل لاستكمال العلاج ومنع تفاقم المرض.
إلا أن الحدود المغلقة جعلت هذا القرار الطبي مجرد أمنية مؤجلة.
نزحت أماني بعد تدمير منزلها، لتستقر في خيمة لا توفر الحد الأدنى من مقومات الحياة. هناك، تحاول أن تواجه السرطان وسط حرارة مرتفعة، وغبار، ورطوبة، وانعدام الخصوصية، ونقص المياه النظيفة ومستلزمات النظافة، وهي ظروف لا تناسب إنسانًا سليمًا، فكيف بمريضة سرطان فقد جهازها المناعي كثيرًا من قدرته على مقاومة العدوى بسبب العلاج الكيماوي.
تقول أماني إنها أصبحت تخشى المرض أكثر مما تخشى القصف، لأن كل يوم يمضي دون استكمال علاجها يمنح السرطان فرصة جديدة للانتشار، فيما يزداد شعورها بالعجز وهي ترى طفليها يكبران داخل خيمة لا تحميهما ولا تحميها.
وقد حذرت منظمات صحية دولية من أن مئات مرضى السرطان في قطاع غزة حُرموا من استكمال علاجهم بسبب تدمير المرافق الصحية والقيود على الإجلاء الطبي. وبالنسبة لمرضى السرطان، فإن العلاج لا يقتصر على الدواء، بل يحتاج إلى بيئة صحية وآمنة تقلل خطر العدوى وتوفر التغذية والرعاية المستمرة، وهي شروط باتت شبه غائبة في مخيمات النزوح، حيث تتحول الخيمة بالنسبة لكثيرين من ملاذ مؤقت إلى مكان تتفاقم فيه الأمراض، ويصبح انتظار السفر جزءًا من رحلة طويلة بين المرض والأمل.
وتشير تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ومنظمة الصحة العالمية إلى وجود ما بين 10 آلاف و12 ألف مريض سرطان في القطاع، يواجهون انهيارًا شبه كامل لمنظومة العلاج، مع نقص حاد في أدوية العلاج الكيماوي، وتعطل خدمات التشخيص المتقدم، واستمرار القيود على الإجلاء الطبي. كما يُشخَّص سنويًا أكثر من 2000 إصابة جديدة بالسرطان في غزة، بينهم أطفال، في وقت بات فيه المرضى يخوضون معركتين متزامنتين: الأولى ضد السرطان، والثانية ضد الحرب التي حرمتهم من الدواء، والسفر، وحتى من بيئة صحية تتيح لهم فرصة النجاة.