أثار إعلان ما يسمى "مجلس السلام" عدم وجود مكان لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في ما سماه "غزة الجديدة"، موجة واسعة من الرفض الفلسطيني والعربي والحقوقي، وسط تحذيرات من أن الخطوة لا تستهدف الوكالة الأممية فحسب، بل تمثل حلقة جديدة في مسار يهدف إلى تقويض قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة.
وجاءت تصريحات المجلس عبر منشور على منصة "إكس" أكد فيه سعيه إلى إنهاء ما وصفه بـ"الاعتماد المستمر على المساعدات"، معتبراً أن مستقبل القطاع لا مكان فيه للأونروا. وأرفق المجلس تصريحه بمقطع مصور يتضمن جزءاً من كلمة الممثل الأمريكي لدى الأمم المتحدة جيف بارتوس، الذي دعا الدول إلى الاختيار بين "تمويل الأونروا" أو دعم المجلس.
ويُعد "مجلس السلام" أحد الهياكل التي طُرحت ضمن ترتيبات إدارة المرحلة الانتقالية في قطاع غزة، إلى جانب "مجلس غزة التنفيذي" و"اللجنة الوطنية لإدارة غزة" و"قوة الاستقرار الدولية"، فيما كشفت وسائل إعلام (إسرائيلية) عن خطط لبدء مشروع تجريبي لإدارة مراكز إيواء إنسانية داخل القطاع خلال الأسابيع المقبلة.
لكن هذه التصريحات قوبلت بتحذيرات من أنها تمثل محاولة لتجاوز مؤسسة أممية أنشئت بقرار دولي، إذ أكد قانونيون ومراقبون أن الأونروا وكالة تابعة للأمم المتحدة ولا يمكن إنهاء ولايتها أو استبدالها إلا بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة التي أنشأتها بموجب القرار (302) عام 1949.
وفي هذا السياق، أعرب المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان عن قلقه البالغ من دعوات إقصاء الأونروا، معتبراً أن الحديث عن "غزة جديدة بلا أونروا" يمثل محاولة لتقويض الولاية الأممية للوكالة وتصفية دورها تحت غطاء إعادة الإعمار والاستقرار. وأكد أن الوكالة تجسد المسؤولية الدولية المستمرة تجاه اللاجئين الفلسطينيين، وأن أي مسعى لإنهاء دورها من خارج الأمم المتحدة يشكل تجاوزاً خطيراً للقانون الدولي.
وتُعد الأونروا أكبر مؤسسة إنسانية عاملة مع اللاجئين الفلسطينيين، حيث تقدم خدمات التعليم والصحة والإغاثة والخدمات الاجتماعية لنحو 5.9 مليون لاجئ فلسطيني مسجلين في مناطق عملياتها الخمس: قطاع غزة، والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، والأردن، ولبنان، وسوريا. كما جددت الجمعية العامة للأمم المتحدة تفويضها حتى عام 2029، باعتبارها الجهة الدولية المكلفة بتقديم الحماية والخدمات للاجئين إلى حين التوصل إلى حل عادل لقضيتهم وفق قرارات الشرعية الدولية.
ويقول الكاتب والمحلل السياسي محمد أبو قمر إن استهداف الأونروا ليس حدثاً جديداً، وإنما يأتي ضمن مسار ممتد منذ سنوات، بدأ بمحاولات تجفيف منابع تمويل الوكالة وتقليص دورها، وتزامن مع حملات أمريكية وإسرائيلية متواصلة استهدفت وجودها ومكانتها السياسية والإنسانية.
ويوضح أبو قمر أن هذه المحاولات تصاعدت خلال ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأولى، واستمرت لاحقاً بأشكال مختلفة، وصولاً إلى قرار الكنيست الإسرائيلي بحظر أنشطة الوكالة، الذي دخل حيز التنفيذ مطلع عام 2025.
ويرى أن استهداف الأونروا لا يتعلق بالخدمات التي تقدمها فقط، بل بمكانتها القانونية والسياسية باعتبارها شاهداً أممياً على قضية اللاجئين الفلسطينيين. ويضيف أن وجود الوكالة يكرس اعتراف المجتمع الدولي بأن قضية اللاجئين ما زالت قائمة ولم تُحل، الأمر الذي يجعلها هدفاً دائماً للمشاريع الرامية إلى شطب هذا الملف.
ويتفق هذا التقدير مع تحذيرات المرصد الأورومتوسطي، الذي أكد أن أي حديث عن إنهاء ولاية الأونروا يمثل عملياً محاولة للمساس بحق العودة والالتفاف على القرار الأممي 194، الذي يؤكد حقوق اللاجئين الفلسطينيين.
***أزمة مالية وضغوط متصاعدة
وتواجه الأونروا في الوقت الراهن تحديات غير مسبوقة، تتصدرها الأزمة المالية الحادة التي تهدد قدرتها على الاستمرار. ففي مؤتمر المانحين الخاص بالوكالة في نيويورك، حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من فجوة تمويلية تبلغ 100 مليون دولار، داعياً المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لتغطيتها.
وأكد غوتيريش أن ملايين الفلسطينيين يواجهون خطراً حقيقياً نتيجة نقص التمويل والقيود الشاملة التي تفرضها إسرائيل على عمل الوكالة، واصفاً الظروف المعيشية في قطاع غزة بأنها "مروعة للغاية".
وكانت الولايات المتحدة، التي كانت أكبر الممولين للأونروا، قد أوقفت تمويلها مطلع عام 2024 بعد مزاعم إسرائيلية بشأن مشاركة عدد محدود من موظفي الوكالة في أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ما فاقم الأزمة المالية ودفع الوكالة إلى تقليص بعض عملياتها.
وبالتوازي مع الأزمة المالية، تواجه الأونروا ضغوطاً ميدانية متصاعدة. ويشير أبو قمر إلى أن الحرب على غزة كشفت حجم الاستهداف الذي تتعرض له الوكالة، بعدما واجهت قيوداً واسعة على عملها الإغاثي ومنعت في مراحل مختلفة من إدخال المساعدات الإنسانية باسمها، رغم تصاعد الاحتياجات الإنسانية للسكان.
***لماذا يصعب الاستغناء عن الأونروا؟
وفي مقابل الدعوات المطالبة بإقصائها، يؤكد المفوض العام للأونروا بالإنابة كريستيان سوندرز أن الوكالة تمثل ركيزة أساسية لأي جهد إنساني أو إداري في قطاع غزة، مشيراً إلى أن خدماتها تدعم تنفيذ قرار مجلس الأمن 2803، كما يمكن أن تسهم في أي ترتيبات دولية أو محلية لإدارة المرحلة المقبلة.
وأوضح سوندرز أن نحو 1.7 مليون شخص في قطاع غزة يعتمدون بشكل مباشر على خدمات الأونروا، فيما يعمل قرابة 11 ألف موظف في مؤسساتها داخل القطاع. كما يقدم أكثر من 1300 من العاملين في القطاع الصحي نحو 80 ألف استشارة طبية أسبوعياً، أي ما يقارب 14 ألف استشارة يومياً.
وأضاف أن أكثر من مليون فلسطيني يستفيدون من خدمات المياه وتحلية المياه وإدارة النفايات التي تشرف عليها الوكالة، إلى جانب دورها في التعليم والإغاثة والخدمات الاجتماعية، ما يجعل استبدالها أو تجاوزها أمراً بالغ الصعوبة في ظل الظروف الحالية.
***خيارات البقاء
ويرى أبو قمر أن قدرة الأونروا على مواجهة هذه التحديات ترتكز أولاً على شرعيتها الدولية المستمدة من الأمم المتحدة، إذ إن ولايتها لا يمكن إنهاؤها إلا بقرار من الجمعية العامة التي جددت تفويضها قبل أشهر بأغلبية ساحقة.
ويضيف أن العامل المالي يشكل التحدي الأكثر إلحاحاً، ما يستوجب تحركاً عربياً ودولياً لتوفير شبكة أمان مالية تضمن استمرار خدمات الوكالة وتعوض أي تراجع في التمويل الدولي.
كما يدعو إلى تحرك دبلوماسي فلسطيني وعربي واسع للدفاع عن الأونروا في المحافل الدولية، إلى جانب تعزيز الجهود الإعلامية والحقوقية لإبراز أهميتها وكشف الانتهاكات التي تتعرض لها.
ويخلص أبو قمر إلى أن الحاجة إلى الأونروا تتزايد اليوم أكثر من أي وقت مضى، في ظل الدمار الهائل الذي خلفته الحرب على قطاع غزة، واستمرار أوضاع اللجوء والتهجير في الأراضي الفلسطينية ودول الشتات، مؤكداً أن استهداف الوكالة لا يتعلق بمؤسسة إغاثية فحسب، بل بقضية اللاجئين الفلسطينيين ذاتها، وما تمثله من حق تاريخي وقانوني ما زال المجتمع الدولي مطالباً بحمايته.