مسابقة الرسالة الفئات الهشة مسابقة الرسالة الفئات الهشة

قد تكون بالنسبة لك شجرة.. لكنها حياة فلسطيني كاملة

الرسالة نت ـ خاص

لم تكن الجرافات الإسرائيلية التي توغلت في الأراضي الزراعية الفلسطينية خلال عام 2026 تقتلع أشجار الزيتون وحدها، بل كانت تقتلع معها ذاكرة عائلات ارتبطت بالأرض لعقود وأجيال، ومصادر رزق تعتمد عليها مئات الأسر، في مشهد تكرر من جنين ونابلس إلى طوباس ورام الله وسلفيت.
في عرابة جنوب غرب جنين، وقف الفلسطيني خليل الفاري باكيًا أمام أشجار الزيتون التي اقتلعتها جرافات الاحتلال، في مشهد اختصر حجم الخسارة التي يعيشها المزارعون الفلسطينيون. يقول الفاري إن عائلته وصلت إلى عرابة عام 1972 بعد لجوئها من منطقة حيفا، وإن أشجار الزيتون كانت موجودة في الأرض قبل وصولهم إليها، وبعضها كان عمره أكثر من مئة عام. وقبل أسابيع من موسم قطاف الزيتون، وجد الرجل نفسه أمام أشجار اعتاد رؤيتها طوال حياته وقد تحولت إلى جذوع وأغصان مقتلعة.
ولم يكن الفاري المزارع الوحيد الذي خسر أشجاره في عرابة. فقد تحدث المزارع سامي دحبور عن اقتلاع أشجار تراوح عمر بعضها بين 27 عامًا و130 و150 عامًا، فيما طال التجريف نحو 223 دونمًا من أراضي البلدة، وفق معطيات محلية نقلتها وكالة الأنباء الفلسطينية. ويقول الأهالي إن نحو 1500 دونم أخرى ما زال أصحابها ممنوعين من الوصول إليها منذ عام 2023، ما يعني أن الخسارة لا تقتصر على الأشجار التي اقتُلعت بالفعل، وإنما تمتد إلى أراضٍ زراعية حُرم أصحابها من استغلالها والوصول إليها.
وفي قرية زبوبا غرب جنين، حملت الأشجار ذاكرة مختلفة. المزارع منير جرادات استعاد أمام أشجاره المقتلعة صورة والدته وهي تحمل جالونات المياه على رأسها وتسير مئات الأمتار لري أشجار الزيتون عندما كانت غراسًا صغيرة. ظلت الأشجار تكبر عامًا بعد عام حتى أصبح بعضها يتجاوز الستين عامًا، قبل أن تصل إليها الجرافات وتقتلعها. بالنسبة لجرادات، لم تكن تلك الأشجار مصدرًا للزيت فقط، وإنما إرثًا تركته والدته، وذاكرة لعائلة عاشت مع الأرض عقودًا.
وفي زبوبا أيضًا، خسر المزارع سامر مقالدة مزرعته التي كانت تضم بيتًا بلاستيكيًا وثلاثة آبار وبركة وعشرات أشجار الزيتون المعمرة. وتعرضت خمس قطع أرض يملكها مع إخوته، بمساحة تقارب 15 دونمًا، للتدمير، بعدما كانت الزراعة مصدر الدخل الأساسي لخمس عائلات من إخوته الذين توقفوا عن العمل داخل أراضي عام 1948 منذ عام 2023. وقدّر مقالدة خسارته بأكثر من 300 ألف شيقل.
وتشير بيانات محلية في زبوبا إلى أن نحو 500 دونم دُمّرت خلال عام، بينها قرابة 300 دونم مزروعة بأشجار الزيتون، تضم نحو 3000 شجرة، بعضها يتجاوز عمره مئة عام. وفي يوليو/تموز 2026 وحده، قالت معطيات محلية إن 1051 شجرة زيتون اقتُلعت.
وفي برقة شمال غرب نابلس، اتخذت الحكاية شكلًا آخر من فقدان الذاكرة. هناك كان منزل عائلة فادي مسعود محاطًا بأشجار وصفها أصحابها بأنها أقدم من البيت نفسه. يقول مسعود إن جده بنى المنزل بين عامي 1955 و1959، بينما كانت أشجار الزيتون الرومي موجودة في الأرض قبل ذلك بقرون. وكانت المنطقة تُعرف باسم "الجنينة"، وعاش أربعة أجيال من العائلة بين أشجارها.
في 27 أبريل/نيسان 2026، اقتُلعت نحو 500 شجرة في المنطقة، بينها أشجار زيتون روماني معمرة، إلى جانب أشجار التين والسرو واللوز والحمضيات. ويتذكر مسعود أن والده كان يزرع الأشجار وهو يقول إنه لا يزرعها لنفسه وإنما لأبنائه وأحفاده، حتى أصبح في سنواته الأخيرة يمد يده من شرفة المنزل ليلتقط ثمار التين التي زرعها بيديه.
أما المهندس الزراعي سلامة شبيب، صاحب أرض مجاورة في برقة، فتحدث عن أشجار زيتون معمرة قال إن عمر إحداها يقارب 300 عام. ومع اقتلاعها لم يخسر أصحاب الأرض محصول موسم واحد فقط، بل فقدوا أشجارًا تحتاج عقودًا طويلة حتى تستعيد ما كانت عليه.
وفي سهل البقيعة شرق طوباس، لم تحتج الجرافات إلى اقتلاع كل الأشجار كي تصل الخسارة إلى المزارعين. فالمزارع سعد بشارات يملك 120 دونمًا مزروعة بمحاصيل مختلفة، وأنفق، وفق روايته، نحو نصف مليون شيقل في تجهيز الأرض وزراعة الشتلات والعناية بها. لكن تجريف خطوط المياه أدى إلى جفاف محاصيل الفلفل وتلف الشمام، لتتحول الأرض التي كانت خضراء إلى مساحات جافة.
وتقول معطيات مجلس قروي عاطوف إن نحو 24 ألف دونم تعود لنحو 300 مزارع أصبحت مهددة بالتلف والجفاف بسبب تدمير خطوط المياه والاعتداءات على البنية الزراعية في المنطقة، ما يوسع نطاق الخسائر من الأشجار التي اقتُلعت إلى محاصيل وأراضٍ مهددة بفقدان قدرتها على الإنتاج.
ولا تقتصر هذه الاعتداءات على مناطق محددة من الضفة الغربية. فقد وثقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، وفق بيانات نشرتها وكالة الأنباء الفلسطينية في أغسطس/آب 2026، اقتلاع أو الاعتداء على 45,195 شجرة في الضفة الغربية منذ بداية العام، فيما صدرت 59 أمرًا عسكريًا لإزالة الغطاء الشجري تستهدف نحو 2480 دونمًا من الأراضي.
وخلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026، وثقت تقارير فلسطينية اقتلاع أكثر من 9000 شجرة في الضفة الغربية، بينها نحو 6700 شجرة زيتون، في وقت تتعرض فيه الأراضي الزراعية أيضًا للتجريف ومنع أصحابها من الوصول إليها وقطع مصادر المياه عنها.
وبين هذه الأرقام الكبيرة، تظهر حكايات المزارعين لتكشف ما لا تستطيع الإحصاءات وحدها وصفه: خليل الفاري الذي وقف باكيًا أمام أشجار كانت موجودة قبل وصول عائلته إلى الأرض، ومنير جرادات الذي يتذكر أمه وهي تحمل الماء لري أشجار الزيتون، وفادي مسعود الذي رأى "جنينة" عائلته تختفي تحت الجرافات، وسلامة شبيب الذي فقد شجرة يقول إن عمرها يقارب ثلاثة قرون، وسعد بشارات الذي شاهد محصولًا أنفق عليه مئات آلاف الشواقل يجف بعدما قطعت عنه المياه.
وهكذا، فإن ما يُقتلع في الأراضي الفلسطينية خلال 2026 ليس مجرد أشجار يمكن تعويضها بغراس جديدة؛ فشجرة الزيتون التي تسقط اليوم قد تكون قد حملت ثمارًا لأجيال، وظللت أطفالًا، وربطت عائلة بأرضها، وشكلت مصدر دخلها لعشرات السنين.