مسابقة الرسالة الفئات الهشة مسابقة الرسالة الفئات الهشة

على مرأى العالم.. الدم يواصل طريقه في جباليا

الرسالة – خاص

في قلب مخيم جباليا المكتظ بالنازحين والعائدين إلى ما تبقى من منازلهم المدمرة، وعلى مقربة من مركز إيواء مستشفى اليمن السعيد، بدا المشهد وكأنه فصل جديد من حكاية الموت المتواصلة في شمال قطاع غزة.

لم يكن المحل الصغير المخصص لتصليح الأجهزة الكهربائية سوى مساحة يومية يلتقي فيها المواطنون لقضاء احتياجاتهم ومحاولة استعادة شيء من تفاصيل الحياة التي سحقتها الحرب. لكن طائرة (إسرائيلية) مسيّرة حوّلت المكان في لحظات إلى ساحة دماء، بعدما استهدفته بشكل مباشر وسط المخيم.

تحت أزيز الطائرات ووسط حالة من الذهول، هرع المواطنون نحو الموقع. لم تكن هناك سيارات إسعاف بالسرعة الكافية، فالمنطقة القريبة من ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" تتعرض بشكل متكرر لإطلاق النار والاستهداف، فيما أدى تدمير المنظومة الصحية في شمال القطاع وسيطرة الاحتلال على عدد من المستشفيات وتحويلها إلى ثكنات عسكرية إلى إطالة زمن الوصول إلى العلاج.

حمل الأهالي الشهداء والمصابين بأيديهم. بطانيات مهترئة تحولت إلى نقالات، وعربات مجرورة أصبحت وسيلة إسعاف بديلة. في مشهد يلخص حجم الانهيار الإنساني، تنقلت الأجساد بين أكتاف المواطنين الذين لم يجدوا سوى ما توفر لديهم لإنقاذ الجرحى وانتشال الضحايا.

خمسة فلسطينيين ارتقوا شهداء جراء القصف، بعد أن فارق أحد المصابين الحياة متأثرًا بجراحه الحرجة، فيما أصيب آخرون بجروح متفاوتة الخطورة.

وسط الفوضى والصراخ، اخترقت المكان كلمات أحد أقرباء الضحايا وهو يصرخ بحرقة: "زهقنا يا رب... كل يوم شهداء وقصف، والعالم بيتفرج". لم تكن صرخته مجرد تعبير عن حزن شخصي، بل بدت كأنها صوت مدينة كاملة أنهكتها المجازر المتكررة وفقدت قدرتها على فهم هذا القدر من الألم.

وعلى بعد خطوات من الجثامين الممددة، وقف أحد المواطنين مخاطبًا العالم بمرارة ممزوجة بالسخرية: "اليوم بيكمل الشهيد ستين عامًا... نتمنى لكم مشاهدة ممتعة لكأس العالم. نعتذر منكم، أصبحنا مملين؛ ذات القتل وذات المشاهد تتكرر منذ ثلاث سنوات. نتمنى أن تكونوا مستمتعين في أمريكا وكندا والمكسيك، أما نحن فلنا الله، ودم الشهداء سيروي هذه البلاد".

في جباليا، لا يبدو الموت حدثًا استثنائيًا. فالمنطقة تتعرض بشكل دوري للقصف وإطلاق النار من القوات الإسرائيلية المتمركزة في محيطها، فيما يواصل المدنيون محاولاتهم للعودة إلى حياتهم وسط ركام المنازل والمرافق المدمرة.

وبينما يسعى السكان إلى ترميم ما أمكن من تفاصيل يومهم، تظل الطائرات تحوم في السماء، وتبقى احتمالات النجاة معلقة بخيط رفيع.

وفي الوقت الذي كانت فيه الطواقم الطبية تنقل الشهداء والجرحى إلى مجمع الشفاء الطبي في مدينة غزة، كانت وزارة الصحة تعلن وصول مزيد من الشهداء والمصابين إلى مستشفيات القطاع خلال الساعات الماضية، مؤكدة أن ضحايا آخرين ما زالوا تحت الأنقاض وفي الطرقات، في ظل عجز فرق الإنقاذ عن الوصول إليهم بسبب الأوضاع الميدانية الخطيرة.

هكذا مرّ يوم آخر في جباليا. محل صغير تحول إلى مأتم، وأحلام بسيطة انطفأت تحت ركام الإسمنت والدخان، فيما بقيت صرخات الأهالي تتردد في المكان، شاهدة على حرب لا تتوقف، وعلى شعب ما زال يدفع ثمن بقائه على أرضه كل يوم.