٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة ٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة

محمد أبو وردة.. الشاهد الأخير الذي اغتالته الطائرات عند ميناء غزة

الرسالة نت-خاص

كان ميناء غزة يوماً واحداً من أكثر الأماكن حياة في المدينة. هناك كان الأطفال يركضون بمحاذاة البحر، والصيادون يعودون بقواربهم الصغيرة، والعائلات تبحث عن ساعة هدوء أمام الموج. لكن الميناء الذي ارتبط طويلاً بالفرح والاستراحة صار اليوم شاهداً على القصف والدم والوجع المفتوح.
مساء الأحد، كان الشاب محمد مجدي أبو وردة يقف في محيط ميناء غزة بين مجموعة من المواطنين الذين احتموا بالبحر من ضيق الحرب وثقل الخيام والركام. لم يكن يحمل سلاحاً، ولم يكن في ساحة مواجهة. كان فقط يحاول أن يلتقط لحظة هدوء في مدينة لم يعد فيها مكان آمن.
فجأة دوّى صوت الطائرات المروحية في السماء، ثم سقطت الصواريخ على المكان. خلال لحظات تحول الميناء إلى ساحة من الصراخ والدخان والأجساد الملقاة على الأرض. أسفر القصف عن استشهاد محمد أبو وردة وإصابة عدد كبير من المواطنين الذين كانوا متواجدين في المكان.
لكن قصة محمد لم تبدأ عند الميناء.
كان واحداً من الناجين القلائل من مجزرة سابقة طالت عائلته خلال الحرب. فقد والديه وشقيقيه وعدداً من أفراد أسرته، وبقي حياً يحمل وحده ذاكرة البيت المدمّر وأسماء من رحلوا. لذلك كان كثيرون يصفونه بالشاهد الأخير على مجزرة عائلته.
خلال العام الذي أعقب فقدان عائلته، حاول محمد أن يتمسك بالحياة رغم كل شيء. واصل دراسته ونشاطه الطلابي، وعُرف بين زملائه في الجامعة الإسلامية بأنه شاب هادئ ومحبوب وصاحب حضور مؤثر. لكن الفقد كان يرافقه في كل خطوة.
وعندما انتشر خبر استشهاده، عاد كثيرون إلى منشوراته القديمة التي كتبها بعد رحيل عائلته. كانت كلماته تبدو كأنها رسالة مؤجلة من رجل عاش الفقد مبكراً وظل يحمل وجعه بصمت.
في ميناء غزة، انتهت الحكاية التي بدأت قبل عام مع استشهاد عائلته. الشاب الذي نجا من المجزرة الأولى لم ينجُ من الثانية. وكأن الحرب لم تكتفِ بأخذ والديه وإخوته، بل عادت لتلاحق الناجي الأخير منهم.
يقول أصدقاء محمد إن أكثر ما كان يؤلمه أنه بقي وحده بعد رحيل عائلته. كان يحمل أسماءهم في أحاديثه وذكرياته اليومية، ويحاول أن يعيش بما يكفي ليبقي قصتهم حاضرة. لكن القصف الذي ضرب الميناء أنهى تلك المهمة الثقيلة، وألحقه بمن سبقوه.
هكذا تحول ميناء غزة، المكان الذي كان يوماً متنفساً للمدينة، إلى شاهد جديد على واحدة من أكثر صور الحرب قسوة. فبين البحر الذي اعتاد استقبال الصيادين والأطفال، سقط محمد أبو وردة شهيداً، ليلتحق بوالديه وشقيقيه الذين سبقوه، وتبقى حكايته دليلاً على أن الحرب في غزة لا تكتفي بقتل العائلات، بل تطارد أحياناً آخر من تبقى منها ليحمل الرواية.
وفي مدينة امتلأت بالمقابر والذكريات المكسورة، رحل محمد أبو وردة تاركاً خلفه سؤالاً ثقيلاً: كم مرة يجب أن يفقد الإنسان عائلته قبل أن يصبح هو نفسه جزءاً من الغياب؟

بث مباشر