مؤتمر فتح الثامن.. حين تراجعت غزة إلى الهامش وصعدت قبضة “المقاطعة”

الرسالة نت- متابعة

في توقيت فلسطيني يوصف بأنه من الأكثر خطورة منذ عقود، انعقد المؤتمر الثامن لحركة فتح وسط حرب مدمّرة على قطاع غزة، وتصعيد غير مسبوق في الضفة الغربية، وانهيار اقتصادي وسياسي يطارد السلطة الفلسطينية. 
لكنّ النتائج التي أفرزها المؤتمر لم تُقرأ بوصفها محاولة لإنقاذ الحركة التاريخية، بقدر ما اعتبرها مراقبون تكريساً لميزان قوى داخلي جديد، تُحكمه قبضة الدائرة المحيطة برئيس السلطة ورئيس حركة فتح محمود عباس ونائبه حسين الشيخ، مع تراجع واضح لحضور غزة وتمثيلها داخل مراكز القرار.

وبينما كان قطاع غزة يعيش واحدة من أكثر مراحله مأساوية، برزت أصوات فتحاوية وسياسية تعتبر أن المؤتمر حمل رسائل “إقصاء” للقطاع أكثر من كونه محاولة لاحتوائه أو إعادة الاعتبار لدوره داخل الحركة الوطنية.

غزة في ذيل القوائم

أثارت نتائج انتخابات اللجنة المركزية والمجلس الثوري جدلاً واسعاً داخل الأوساط الفتحاوية، خاصة مع محدودية تمثيل قطاع غزة في المواقع القيادية المتقدمة. 
وبحسب قراءات داخل الحركة، فإن أربعة أسماء فقط من غزة استطاعت الوصول إلى اللجنة المركزية، في مقابل حضور كثيف لقيادات محسوبة على تيار محمود عباس وحسين الشيخ من الضفة الغربية، بعد ما وُصف بأنه “هندسة تنظيمية” للعضويات والتصويت.

وعلى مستوى المجلس الثوري، بدا المشهد أكثر وضوحاً، إذ تصدّر مرشحو الدائرة المقربة من عباس والشيخ قوائم الفائزين، فيما جاء الناجحون من غزة في مراتب متأخرة، ما عزّز الانطباع بأن القطاع لم يعد شريكاً فعلياً في صناعة القرار داخل الحركة.

الكاتب والمحلل السياسي محمد مشارقة رأى أن ما جرى لا يمكن فصله عن حالة “القطيعة السياسية” مع غزة، معتبراً أن المؤتمر “كشف حجم الأزمة الوجودية التي تعيشها الحركة أكثر مما قدم حلولاً لها”.

وكتب مشارقة في مقال مطوّل بعنوان “المؤتمر الثامن لحركة فتح: نهاية مرحلة أم نهاية حركة؟” أن نتائج التصويت داخل غزة حملت رسالة غضب واضحة تجاه شخصيات قيادية “وقفت موقف المتفرج بينما كان القطاع يُحرق”، على حد وصفه، في إشارة إلى سقوط أسماء بارزة من اللجنة المركزية السابقة مثل إسماعيل جبر وصبري صيدم وروحي فتوح.

وأضاف أن هذا “العقاب الانتخابي” يعكس مزاجاً شعبياً يبحث عن محاسبة سياسية، في ظل شعور واسع داخل القطاع بأن قيادات الحركة أخفقت في لعب أي دور ضاغط أو حمائي خلال الحرب.

قبضة عباس والشيخ

في المقابل، اعتبر مراقبون أن النتائج منحت معسكر محمود عباس ونائبه حسين الشيخ سيطرة شبه كاملة على مفاصل الحركة.

المحلل السياسي محمد شحادة وصف ما جرى بأنه “إحكام قبضة كاملة على حركة فتح، وبالتالي على السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير”، قائلاً إن الانتخابات شهدت “إقصاءً كاملاً” لأي تيار معارض داخل الحركة، بما في ذلك التيارات المحسوبة على محمد دحلان أو الأصوات المطالبة بالإصلاح.

وأشار شحادة، في منشور له، إلى أن دخول ياسر عباس، نجل رئيس السلطة، إلى اللجنة المركزية مثّل أحد أبرز مؤشرات التحول داخل الحركة، معتبراً أن “المؤهل الأساسي له هو كونه ابن الرئيس”، بحسب تعبيره.

كما تحدث عن “تضخم” في عضوية المؤتمر لصالح شخصيات مرتبطة بالأجهزة الأمنية وموظفي السلطة، بما ضمن – وفق رأيه – إنتاج نتائج مسبقة تعزز نفوذ الدائرة المقربة من القيادة الحالية.

الناشط فايز السويطي ذهب في الاتجاه ذاته، معتبراً أن نتائج المؤتمر “أكدت استمرار سيطرة الحرس القديم الموالي لسياسات المقاطعة”، في إشارة إلى مقر الرئاسة الفلسطينية في رام الله.

وقال السويطي إن الأصوات التي طالبت “بالتغيير والانتصار لغزة ودعم أسر الشهداء والأسرى” تعرضت للإقصاء، مضيفاً أن الوجوه الجديدة التي صعدت “جاءت بفعل التحالفات والكوتات”، وأنها تبقى ضمن نفوذ التحالف الأقوى داخل الحركة، والمتمثل في ماجد فرج وحسين الشيخ.

إقصاء الكفاءات وصعود الولاءات

واحدة من أكثر النقاط التي أثارت انتقادات داخلية تمثلت في غياب شخصيات دبلوماسية وفكرية وأكاديمية كانت تُعتبر تاريخياً جزءاً من بنية حركة فتح السياسية.

الكاتب محمد مشارقة رأى أن اللجنة المركزية الجديدة “تفتقر إلى صوت الفكر والتحليل الاستراتيجي”، معتبراً أن الحركة انتقلت تدريجياً من نموذج “حركة التحرر الوطني” إلى بنية يغلب عليها الطابع التنظيمي والأمني والشعبوي.

وأشار إلى أن المؤتمر شهد صعود شخصيات ذات رمزية نضالية أو مرتبطة بحركة الأسرى، لكنه تساءل عمّا إذا كانت هذه الرمزية تكفي لقيادة حركة تواجه أعقد لحظات القضية الفلسطينية.

وفي السياق ذاته، عبّر الناشط برهان السعدي عن استغرابه من عدم نجاح السفير الفلسطيني حسام زملط، المعروف بنشاطه الدبلوماسي والإعلامي، معتبراً أن سقوطه “مؤشر خطير على حاضر ومستقبل الحركة”.

وقال السعدي إن “حركة كان لها تاريخ مشرق ومشرّف لأحرار العالم، من المؤسف أن تُقصي شخصية بحجم حسام زملط، خاصة في ظل حضوره البارز دفاعاً عن فلسطين وغزة”.

فتح بين سؤال الإصلاح وشبح الانقسام

داخل أوساط فتحاوية، بدأت تتردد أحاديث عن إمكانية تشكل حراك داخلي معارض يضم شخصيات وتيارات أُقصيت من المؤتمر أو خسرت في الانتخابات.

فايز السويطي تحدث عن “أمل بسيط بالتغيير” عبر اصطفاف تيارات دحلان والقدوة وشخصيات فتحاوية أخرى مع القواعد الغاضبة من نتائج المؤتمر، معتبراً أن هذه القوى “تمثل أكثرية داخل الحركة إذا توحدت جهودها”.

لكنّ آخرين يرون أن الأزمة أعمق من مجرد صراع أسماء أو مواقع.

الناشط خالد فقوسة اختصر المشهد بالقول إن “المشكلة ليست في من نجح أو خسر، بل في الإرادة والبرنامج السياسي”، مضيفاً أن سقف الحركة بقي محكوماً بالخطاب الذي قدمه محمود عباس أمام المؤتمر.

وقال فقوسة إن تغيير الأشخاص “لن يغيّر شيئاً ما دامت الإرادة السياسية ذاتها مستمرة”.

حركة أمام اختبار الوجود

في المحصلة، بدا المؤتمر الثامن لحركة فتح بالنسبة لكثير من المتابعين أقرب إلى محطة تعكس حجم التآكل الداخلي، لا إلى لحظة استعادة للدور التاريخي للحركة.

ففي الوقت الذي كانت فيه غزة تنتظر خطاباً يعيدها إلى مركز القرار الوطني، خرجت النتائج لتكرّس شعوراً متنامياً بأن القطاع يُدفع تدريجياً إلى الهامش السياسي داخل أكبر فصائل النظام الفلسطيني.

وبينما تتصاعد الانتقادات حول تغليب الولاءات على الكفاءة، وتعاظم نفوذ الدائرة الضيقة المحيطة بالرئاسة، يبقى السؤال الأبرز مطروحاً داخل الأوساط الفلسطينية: هل ما زالت فتح قادرة على إعادة تعريف نفسها كحركة تحرر وطني جامعة، أم أن المؤتمر الثامن كان مجرد إعلان متأخر عن انتقالها إلى مرحلة إدارة التراجع؟