في جنازة عز الدين الحداد .. لم يكن المشيعون يسيرون خلف الجثمان .. كانوا يركضون

الرسالة نت - خاص


في الشارع الطويل الممتد وسط مدينة غزة، بدا المشهد أقرب إلى سيل بشري يندفع دفعة واحدة. آلاف الشبان والأطفال والرجال خرجوا خلف نعش القائد العام لكتائب القسام عز الدين الحداد، يركضون كما لو أنهم يحاولون اللحاق برجل لم يغادرهم بعد.

من بين الغبار والدخان وبقايا الأبنية المدمرة، ارتفعت صورة القائد الشهيد فوق الرؤوس، فيما كانت الحناجر تهتف باسمه وبالمقاومة. أطفال صغار ركضوا حفاة وسط الجموع، وشبان لوّحوا بأيديهم نحو السماء، وآخرون كانوا يندفعون للأمام بوجوه متعبة لكنها مشتعلة بالغضب؛ وحتى المدينة نفسها بدت وكأنها تركض معهم.

خرج موكب التشييع من مسجد شهداء الأقصى وسط غزة، بعد ساعات من إعلان استشهاد القائد العام لكتائب القسام عز الدين الحداد، أحد أبرز قادة الجناح العسكري لحركة “حماس”، والذي ظل لسنوات من الوجوه العسكرية البارزة في قطاع غزة. ويُعرف الحداد بلقب “أبو صهيب”، وكان من القادة الذين نجوا من عدة محاولات اغتيال سابقة، وارتبط اسمه بإدارة ملفات عسكرية وأمنية معقدة خلال سنوات الحرب والحصار.

وبحسب مصادر عائلية، فقد ارتقى الحداد شهيداً إثر استهداف إسرائيلي مباشر طال بناية سكنية ومركبة في حي الرمال وسط مدينة غزة، ما أدى إلى استشهاده برفقة زوجته وابنته، بعدما كان قد فقد اثنين من أبنائه خلال الحرب المستمرة على القطاع.

ولم يتوقف القصف عند العائلة المستهدفة فقط، إذ أسفر الهجوم الإسرائيلي عن استشهاد 8 فلسطينيين، إضافة إلى إصابة عدد آخر، في واحدة من الغارات التي ضربت قلب مدينة غزة المكتظة بالسكان.

كان الاحتلال يظن أن اغتيال الرجل الذي قاد سنوات طويلة من المواجهة سيترك فراغاً هائلاً، لكن الشوارع قالت شيئاً آخر.

في الصورة، لا يظهر الناس كجمهور جاء لتوديع ميت، بل كحشود جاءت لتعلن أن الحكاية مستمرة.

كل وجه كان يحمل غضباً مختلفاً، وكل خطوة بدت كأنها رد على محاولة اغتيال جديدة.

لم يكن عز الدين الحداد مجرد قائد عسكري بالنسبة لكثيرين في غزة. كان واحداً من آخر الوجوه البارزة التي بقيت من الجيل القديم لقيادة القسام، الرجل الذي عبر سنوات المطاردة والحروب والاجتياحات، وظل حاضراً في قلب المعركة حتى اللحظة الأخيرة. وحين اغتيل، لم يخرج الناس فقط لأن قائداً استشهد، بل لأنهم شعروا أن جزءاً من ذاكرة الحرب والمقاومة يسير نحو الوداع.

لكن غزة تعرف هذه الجنازات جيداً؛ ففي كل مرة يُغتال قائد، تمتلئ الشوارع بالناس ذاتهم تقريباً؛ أطفال يركضون خلف النعش، رجال يرفعون الأعلام، ونساء يطلقن الزغاريد المختلطة بالبكاء. وفي كل مرة يظن الاحتلال أنه قطع رأس الحكاية، يظهر وجه جديد يكمل الطريق.

جيل وُلد في الحرب، وكبر على أصوات الطائرات، لكنه ما زال يركض في جنازات القادة كما لو أنه يعلن منذ الآن أن الطريق لن يتوقف.

وهذه هي الرسالة: يمكن للطائرات أن تقتل قائداً، ويمكن للصواريخ أن تهدم بناية كاملة، لكن الفكرة التي تمشي في هذه الشوارع لا تموت بسهولة.

ولهذا، حين ارتفع نعش عز الدين الحداد فوق الرؤوس، لم يكن المشيعون يودعون النهاية… بل كانوا يركضون خلف استمرارها.