“أعيدوا لي أبي”.. صرخة الطفلة سهيلة التي كبرت قبل أوانها

الرسالة نت-خاص

لقد حمل أطفال غزة حملاً أكبر من أعمارهم فوق أكتافهم الصغيرة، يتأملون ليل نهار ذلك الواقع القاسي الذي فرضته حرب الإبادة؛ خيمة مهترئة بالكاد تقيهم البرد، جوعٌ ينهش البطون، فقرٌ يسرق أبسط الأحلام، وكفوفٌ صغيرة لا تكفي لإكمال تعليم طفل أراد فقط أن يعيش حياة طبيعية. 
وفي زاوية أحد الخيام، كانت الطفلة سهيلة نعيم أبو الحسنى تلتفت خلفها نحو والدها الأسير المحرر، الرجل الذي اعتقله الاحتلال لأشهر طويلة رغم إصابته بمرض السرطان، قبل أن يخرج من السجن بحالة نفسية منهكة ومرض أكثر توحشاً في جسده. جلس خلفها بصمت ثقيل، بينما أشارت إليه بوجع طفلة خائفة وقالت: “لا أريد شيئاً… أريد أن يعود بابا كما كان بالسابق”.

في كل مرة يشتد فيها الألم على والدها، تركض سهيلة نحوه بخوف طفلة تعرف أن شيئاً ما يسرق أباها ببطء. تجلس قربه، تمسك يده المرتجفة، ثم تبكي بصوت مخنوق وهي تردد: “بابا بدّه علاج… بابا بموت”. 
لم تكن سهيلة تفهم معنى السرطان تماماً، لكنها كانت تفهم جيداً شكل العجز في عيني والدتها، وصوت السعال الذي يقطع الليل، والوجع الذي جعل والدها يعود من الأسر شاحباً كأنه خرج من قبر لا من سجن.

لم يعد الأب قادراً على العمل أو حتى الحركة بشكل طبيعي. جسده الهزيل بالكاد يقوى على مقاومة المرض، بينما يقف الفقر والحصار ونقص الدواء حاجزاً بينه وبين العلاج. فالمستشفيات تعجز عن توفير ما يحتاجه، ورحلة البحث عن الدواء أصبحت أقسى من المرض نفسه.
لكن أكثر ما يؤلم سهيلة ليس رؤية والدها مريضاً فقط، بل خوفها اليومي من فقدانه. تبكي بحرقة أمام الكاميرا، تناشد العالم أن ينقذ أباها، بينما يحاول هو أن يخفي ألمه بابتسامة متعبة كي لا تنهار طفلته الصغيرة أكثر.

وقد خلفت هذه الحرب جيلاً كاملاً يعيش تحت ثقل الخوف والفقدان والنزوح المستمر. ووفق تقديرات “يونيسف”، فإن جميع أطفال غزة تقريباً باتوا بحاجة إلى دعم نفسي واجتماعي عاجل، وهي المرة الأولى التي تصف فيها المنظمة وضع أطفال منطقة كاملة بهذا الشكل. 

كما تشير التقارير إلى أن نحو 1.1 مليون طفل في القطاع يحتاجون إلى خدمات حماية ودعم نفسي، بينما فقد أكثر من 58 ألف طفل أحد والديهم أو كليهما خلال الحرب. 

وتحذر دراسات وتقارير دولية من انتشار أعراض الصدمات النفسية بين الأطفال، مثل الأرق والخوف الدائم والتبول اللاإرادي والانطواء وفقدان القدرة على الكلام. كما أظهرت مراجعات طبية أن 54% من أطفال غزة يعانون أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، إلى جانب معدلات مرتفعة من القلق والاكتئاب. 

وفي أماكن النزوح، يكبر الأطفال على أصوات القصف وصور الموت والجوع، بينما تتحول طفولتهم تدريجياً إلى ذاكرة مثقلة بالخسارات أكثر من الأحلام.