العصاعصة.. القرية التي لم يترك المستوطنون موتاها يرقدون بسلام

قرية العصاعصة
قرية العصاعصة

الرسالة نت- متابعة 

في قرية العصاعصة الصغيرة جنوب جنين، لم ينتهِ وداع الثمانيني حسين العصاعصة عند إهالة التراب على قبره.
بعد أقل من ساعة على دفنه، عاد أبناؤه إلى المقبرة نفسها، لكن هذه المرة لا ليقرأوا الفاتحة، بل ليحفروا القبر بأيديهم تحت تهديد المستوطنين.
كان المساء يهبط ببطء على القرية الزراعية القريبة من مستوطنة “صانور”، حين بدأت الجنازة الأخيرة للرجل الذي أمضى ثمانين عامًا في أرضه. 
سار المشيعون بين أشجار الزيتون والطرق الترابية الضيقة، ودفنوه في مقبرة القرية التي يعرفها الأهالي منذ عقود، بعد تنسيق مسبق مع جيش الاحتلال للسماح بإتمام الدفن.
لكن الهدوء لم يدم طويلًا؛ بعد انتهاء مراسم العزاء، اقتحم مستوطنون المنطقة برفقة قوات الاحتلال، واعترضوا على وجود القبر، مدّعين أن الأرض تقع ضمن نطاق المستوطنة التي تعمل حكومة الاحتلال على إعادة توسيعها.
بحسب روايات العائلة، وقف المستوطنون فوق القبر مباشرة، وهددوا بنبشه بواسطة جرافة إن لم تُخرج العائلة الجثمان بنفسها.
في تلك اللحظة، وجد أبناء حسين العصاعصة أنفسهم أمام مشهد يفوق قدرتهم على الاحتمال؛ إما أن يشاهدوا جرافة تنبش قبر والدهم، أو أن يفعلوا ذلك بأيديهم.
يقول أحد أبنائه:“لم يتركوا لنا خيارًا… قالوا أخرجوه الآن أو سندخل الجرافة فوق القبر”.
عاد الرجال إلى التراب الذي أغلقوه قبل دقائق.
حفروا القبر مجددًا بصمت ثقيل، فيما كانت قوات الاحتلال والمستوطنون يراقبون المشهد. ثم حملوا الجثمان مرة ثانية، في جنازة جديدة بلا مشيعين تقريبًا، وبقلوب أنهكها الذل والخوف، لينقلوه إلى مكان آخر بعيدًا عن تهديد المستوطنين.
 والعصاعصة، هي قرية صغيرة محاصرة بالاستيطان جنوب جنين، يعرف السكان أن الأرض لم تعد وحدها مهددة بالمصادرة؛ حتى المقابر لم تعد آمنة.
فالقرية الواقعة قرب مرج صانور تعيش منذ سنوات تحت ضغط متصاعد من المستوطنين، خاصة بعد عودة مشاريع التوسع الاستيطاني في المنطقة.
حادثة نبش قبر حسين العصاعصة أثارت غضبًا واسعًا ووُصفت من قبل مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بأنها “واقعة مروعة وتجريد للفلسطينيين من إنسانيتهم”.
لكن بالنسبة لعائلته، لم تكن الحادثة بيانًا سياسيًا أو خبرًا عابرًا، بل لحظة قاسية اضطروا فيها إلى توديع والدهم مرتين في يوم واحد؛ مرة حين دفنوه، ومرة حين اقتلعوه من قبره تحت التهديد.