مقال: ما وراء القصف: تشريح استراتيجية «الإبادة المجتمعية» ولماذا التنظيم هو سلاح غزة الأبقى

كريم أبو عجيرم

في خضم الإبادة الجماعية التي تتكشف فصولها يوماً بعد يوم، حيث تُستباح الدماء ويُدمَّر الحجر، تدور حرب أخرى أكثر عمقاً وخطورة، حرب تستهدف فكرة «المجتمع» ذاته. 
فالسؤال لم يعد فقط: كيف نموت؟ 
بل أصبح السؤال الأكثر قسوة: كيف نعيش؟ 
وكيف نمنع تحوّل هذا الألم إلى فوضى تلتهم ما تبقى من قدرتنا على الصمود؟

في هذا السياق، لا يصبح تحليل سلوك الاحتلال مجرد رصد للجرائم والانتهاكات، بل ضرورة لفهم طبيعة الاستراتيجية التي تُدار ضد المجتمع الفلسطيني. 
وهنا تبرز حقيقة شديدة الوضوح: إن كل ما يُستهدف بشكل ممنهج من مؤسسات مدنية وكوادر مهنية وخدماتية، هو بالضبط ما يشكل العمود الفقري لبقاء المجتمع متماسكاً.

إن استهداف ضباط الشرطة، والعاملين في البلديات، والكوادر الصحية، والمزارعين، والصيادين، ليس مجرد استهداف لأفراد، بل هو استهداف مباشر للبنية التي تمنع انهيار المجتمع إلى الفوضى الشاملة.

أولاً: «البوصلة المعكوسة»… كيف تكشف أهداف القصف مكامن القوة؟
في الحروب التقليدية، تُستهدف مراكز الثقل التي تمنح الخصم القدرة على الاستمرار. 
ومن هنا يمكن قراءة نمط الاستهداف باعتباره «بوصلة معكوسة» تكشف ما يعتبره الاحتلال خطراً حقيقياً على أهدافه.

فعندما يُستهدف رجل الشرطة، فالأمر لا يتعلق فقط بوظيفة أمنية مباشرة، بل باستهداف الجهة التي تمنع الفوضى، وتحمي توزيع المساعدات، وتحافظ على الحد الأدنى من النظام العام في مراكز الإيواء والأسواق والشوارع.

وعندما تُستهدف البلديات والعاملون في خدمات المياه والصرف الصحي، فإن النتيجة لا تقف عند حدود تدمير البنية التحتية، بل تمتد إلى خلق بيئة خطرة صحياً واجتماعياً، بما يهدد الحياة اليومية للمدنيين ويزيد من هشاشة المجتمع تحت الحصار والقصف.

كما أن استهداف الصيادين والمزارعين لا يمكن فصله عن محاولة إضعاف مصادر الغذاء المحلية، ودفع المجتمع نحو مزيد من الاعتماد القسري على المساعدات والإغاثة في ظروف بالغة الصعوبة.

ومن هنا، فإن فهم طبيعة الاستهداف يساعد المجتمع على إدراك أن حماية التماسك الداخلي ليست قضية ثانوية، بل جزء أساسي من معركة البقاء.

ثانياً: من الإبادة الجسدية إلى «الإبادة المجتمعية»
لا تقتصر آثار الحرب على الخسائر البشرية المباشرة، بل تمتد إلى محاولة تفكيك الروابط التي تجعل من الناس مجتمعاً منظماً قادراً على إدارة شؤونه.

وفي أدبيات علم الاجتماع السياسي ودراسات النزاعات، يُنظر إلى المؤسسات المدنية والخدماتية باعتبارها عنصر استقرار يمنع تحوّل المجتمعات المنهكة إلى بيئات فوضوية تحكمها القوة المجردة.

وعندما تُستنزف هذه المؤسسات أو تُعطَّل، يظهر ما يمكن وصفه بحالة «الفراغ المجتمعي»، حيث تضعف القدرة على تنظيم الحياة اليومية، وتسوية النزاعات، وضبط توزيع الموارد المحدودة.

لذلك، فإن استمرار المؤسسات المحلية في أداء وظائفها، حتى بالحد الأدنى الممكن، يمثل عاملاً حاسماً في الحفاظ على تماسك المجتمع ومنع الانهيار الكامل.

إن المجتمع الذي يحافظ على قدرته التنظيمية تحت أقصى درجات الضغط، يرسل رسالة واضحة بأنه ما زال قادراً على الحياة، وأن محاولات تفكيكه لم تحقق أهدافها الكاملة.

ثالثاً: العقد الاجتماعي تحت النار
في الظروف الطبيعية، تقوم العلاقة بين المواطن والمؤسسات العامة على تبادل الحقوق والواجبات والخدمات. 
أما في أوقات الحرب والإبادة، فإن هذه العلاقة تتحول إلى ما يشبه «عقد بقاء جماعي».

فالتزام الناس بالنظام العام، واحترام أدوار المؤسسات، والتعاون في مواجهة الفوضى، لا يصبح مجرد التزام أخلاقي، بل جزءاً من حماية المجتمع نفسه.

عندما يلتزم المواطن بالنظام في طوابير الخبز أو المساعدات، فهو لا يمارس سلوكاً فردياً فحسب، بل يساهم في منع الانهيار الاجتماعي الذي يسعى إليه العدو عبر الضغط والتجويع والإرباك.

وفي المقابل، فإن المؤسسات مطالبة أيضاً بالتعامل مع الناس بوعي إنساني عميق، يدرك حجم الصدمة والخسارة والغضب الذي يعيشه المجتمع.

إن قوة المؤسسة لا تقاس فقط بقدرتها على فرض النظام، بل كذلك بقدرتها على الاحتواء، والصبر، والحفاظ على ثقة الناس رغم الظروف القاسية.

رابعاً: الكفاءات البشرية باعتبارها «أصولاً استراتيجية»
في أوقات الأزمات الممتدة، تصبح الخبرات والكفاءات البشرية من أهم عناصر الصمود والاستمرار.

فضابط الشرطة صاحب الخبرة، أو القاضي القادر على تحقيق العدالة في ظروف استثنائية، أو خبير المتفجرات الذي ينقذ الأرواح، يمثلون عناصر يصعب تعويضها سريعاً.

وفي الدراسات الأمنية والإدارية، تُعد الكفاءات المتراكمة جزءاً من «القدرة المؤسسية» لأي مجتمع أو دولة، لأن فقدانها يضعف القدرة على إدارة الأزمات والتعامل مع التحديات المعقدة.

ومن هنا، فإن حماية هذه الكفاءات والحفاظ على استمرارية عملها ليس ترفاً، بل ضرورة استراتيجية وأخلاقية وقانونية.

فالمجتمعات التي تحافظ على خبراتها ومؤسساتها تكون أكثر قدرة على التعافي وإعادة البناء، حتى بعد أشد الحروب تدميراً.

خامساً: الوعي المجتمعي بوصفه شراكة في الصمود
إن مواجهة الأزمات الكبرى لا تقع على عاتق المؤسسات وحدها، بل تتطلب شراكة مجتمعية واعية تدرك خطورة الفوضى وأثرها على حياة الناس اليومية.

فالمواطن الذي يحافظ على النظام العام، ويحترم الدور المهني للعاملين في الخدمات والأمن والإغاثة، يساهم بصورة مباشرة في حماية مجتمعه من الانهيار.

كما أن دعم المؤسسات لا يعني غياب النقد أو المساءلة، بل يعني إدراك أن الحفاظ على الحد الأدنى من التنظيم والاستقرار يمثل ضرورة جماعية في الظروف الاستثنائية.

إن المجتمعات التي تنجح في تجاوز الكوارث والحروب ليست فقط تلك التي تمتلك القدرة على الصمود، بل تلك التي تمتلك وعياً جمعياً يحول الألم إلى مسؤولية، والغضب إلى انضباط، والخسارة إلى قدرة على الاستمرار.

الخلاصة: من ينتصر فعلاً؟
إن الحروب لا تُحسم فقط بحجم القوة العسكرية، بل كذلك بقدرة المجتمعات على الحفاظ على تماسكها الداخلي، وتنظيم شؤونها، ومنع الانهيار إلى الفوضى.

فالقدرة على إدارة الحياة اليومية تحت القصف والحصار، والحفاظ على الحد الأدنى من القانون والتنظيم والخدمات، تمثل شكلاً عميقاً من أشكال الصمود.

ولهذا، فإن معركة غزة ليست فقط معركة بقاء جسدي، بل معركة بقاء مجتمعي أيضاً.

وكلما حافظ المجتمع على مؤسساته، وتماسكه، وقدرته على التعاون والتنظيم، تقلصت فرص نجاح أي مشروع يستهدف تفكيكه من الداخل.

إن قوة المجتمع لا تظهر فقط في لحظات المواجهة، بل كذلك في قدرته على حماية إنسانيته ونظامه العام تحت أقسى الظروف.
«وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ»