الشهيد إبراهيم منصور… قبل ساعةٍ من العناق انتهت الحكاية

الشهيد إبراهيم منصور
الشهيد إبراهيم منصور

خاص- الرسالة نت

لم يكن إبراهيم منصور يعدّ الدقائق كما يفعل العشّاق، بل كان يحصي سنوات الغياب دفعةً واحدة. ثلاث سنوات أو تزيد، فصلته عن زوجته، وعن طفلٍ وُلد بعيدًا عنه، كأن القدر أراد أن يختبر صبره إلى أقصى حد. وفي ذلك اليوم، أخيرًا، صار الانتظار ملموسًا… ساعات قليلة فقط، ويحتضن عائلته عند معبر رفح.

قبل يومين وفي الثامن والعشرين من ابريل، بدا كل شيء مختلفًا. الشوارع التي أنهكها القصف بدت أقل قسوة في عينيه، والهواء الذي اعتاد رائحة الدخان صار أخفّ. أخبر من حوله أن “اليوم يومي”، كان يبتسم أكثر من المعتاد، ويكرر اسم ابنه بصوت خافت، كأنه يتدرّب على اللقاء الأول.

لم يكن قد رأى طفله من قبل. كان يعرفه من صورٍ قليلة، ومن مكالمات متقطعة، ومن حكايات زوجته عن ملامحه الأولى. كان يتخيله يشبهه، أو ربما يشبهها أكثر. لم يكن ذلك مهمًا… المهم أنه سيحمله أخيرًا.

قبيل الظهيرة، خرج إبراهيم. لم يكن ذهابه عاديًا، بل كان أقرب إلى ذهابٍ نحو حياة جديدة. خطوة واحدة تفصله عن النهاية الطويلة للغياب، وخطوة أخرى نحو بداية بيتٍ يعود إليه الدفء.

لكن في غزة، لا تسير القصص كما تُكتب.

دوّى صوت القصف فجأة. غارة جديدة، في مكانٍ لم يكن يُفترض أن يكون هدفًا في تلك اللحظة. لم تكن هذه المرة مجرد خبر عابر في شريط عاجل، بل كانت نهاية قصة كان على وشك أن تبدأ.

أُصيب إبراهيم في القصف… وسقط.

في تلك اللحظة، كانت زوجته تقترب. ربما كانت تنظر إلى الطريق بلهفة، وربما كانت تمسك يد طفلها وتخبره: “سنصل إلى بابا بعد قليل”. لم تكن تعلم أن الزمن سبقها، وأن الساعة التي انتظروها جميعًا قد انكسرت قبل أن تكتمل.

وصلت… لكن لا أحد كان بانتظارها؛ ولم يحدث اللقاء. لم يُرفع الطفل ليُحتضن. لم تُغلق دائرة الغياب. بقي كل شيء معلّقًا بين “كان” و”كاد”.

هكذا تحوّلت قصة إبراهيم منصور من حكاية عودة إلى حكاية فقد، ومن انتظار حياة إلى انتظار قبر؛ حيث أعلن عن استشهاد إبراهيم قبل موعد اللقاء بساعة واحدة؛ ليثبت من جديد أنه وفي غزة، لا يُسرق الوقت فقط… بل تُسرق اللحظات التي كان من المفترض أن تُنقذ القلوب.

وفي نهاية الحكاية، فإن هذه القصة هي واحدة من مئات القصص التي كُتبت بالدم رغم إعلان وقف إطلاق النار. فمنذ أكتوبر الماضي، سُجّل أكثر من 800 شهيد وآلاف الجرحى نتيجة خروقات متواصلة، لم تتوقف يومًا. وفي شهرٍ واحد فقط، وثّقت التقارير 377 خرقًا أسفرت عن 111 شهيدًا ومئات المصابين.

بهذه الأرقام، لا يعود السؤال: لماذا رحل إبراهيم قبل أن يلتقي عائلته؟

بل كيف يمكن لوقفٍ لإطلاق النار أن يُعلن على الورق… بينما يُنتهك كل يوم أجساد المنتظرين.