في شمال قطاع غزة، وعلى مقربة من مستشفى كمال عدوان، كان أبو حمزة كرسوع يظن أنه يعود إلى مكان أكثر أمانًا. قيل لهم إن المنطقة مصنّفة “آمنة”، وإن الاقتراب من المستشفى يمنحهم فرصة للنجاة. حمل زوجته وأطفاله، وعاد، خاصة ان متشفى كمال عدوان يعمل فكان ذلك مشجعا له ولعائلته.
لكن ما إن وصلوا، حتى تبدد كل شيء. “بدأت القذائف تنهال علينا من كل صوب… ثم إطلاق نار متواصل”، يقول بصوت مكسور.
لم يكن هناك وقت للاختباء، ولا مجال للهروب. في لحظات قليلة، تحوّل المكان الذي قيل إنه ملاذ إلى ساحة موت مفتوحة.
أمام عينيه، سقطت زوجته، كانت حاملاً بتوأم. سقط أطفاله واحدًا تلو الآخر.
“زوجتي… أبنائي: حمزة ونايا… غرقوا في دمائهم أمامي”، يرددها وهو يبكي بحرقة، كأن المشهد لم ينتهِ بعد.
ينادي أسماءهم وكأنه يحاول إعادتهم: “ابني حمزة… ابنتي نايا… زوجتي… كلهم ذهبوا… وبقيت وحدي.”
لم يكن قادراً على إنقاذهم، ولا حتى على وداعهم كما يجب. كل ما بقي له هو تلك اللحظة—لحظة الانهيار الكامل—حيث يتحول الأب من حامٍ إلى شاهد، ومن ناجٍ إلى آخر من بقي.
وفي غزة هذه القصة تتكرر بأسماء مختلفة. عائلات تعود إلى ما قيل إنه “آمن”، فتُفاجأ بأن الأمان كان وهماً قصير العمر.
وبين القذائف والرصاص، لا تبقى إلا جملة واحدة عالقة في الهواء، يقولها الرجل وكأنها خلاصة كل شيء: “كنت أبحث عن الأمان… ففقدت كل من كان أماني.”
وفي مشهدٍ يختصر استمرار المأساة، لم يكن إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025 نهايةً للدم، بل بدايةً لمرحلة أخرى منه. فمنذ ذلك الحين، سُجّل نحو 2400 خرق للاتفاق، فيما تراوحت حصيلة الشهداء بين 791 و972 شهيدًا، إضافة إلى ما بين 2235 و2267 إصابة وفق تقديرات وبيانات مختلفة صادرة عن جهات رسمية.
أرقامٌ تكشف أن الهدنة لم توقف الموت، بل غيّرت شكله فقط، ليبقى الفلسطيني—كما في حكاية أبو حمزة—وحيدًا في مواجهة فقدٍ لا ينتهي.