الأرض المحروقة.. السياسة التي نجحت في العالم وقبرتها "غزة"

الرسالة نت - محمود هنية

 

لم يكن مشهد خروج الأسرى (الإسرائيليين) ليعبر عن هزيمة الموقف السياسي فحسب؛ بل ثمة استراتيجية أكبر وأعمق؛ وجدت نفسها قد دفنت في تلك الأنفاق؛ التي زعمت دولة الاحتلال أنها مسحتها تمامًا؛ في تكتيك عسكري يسمى بـ"الأرض المحروقة".

الأرض المحروقة؛ سياسة لجأت لها دولة الاحتلال بشكل دائم في كل حروبها البرية على القطاع منذ العام 2008؛ لكنّها لجأت لأكثرها تدمير وإبادة في حرب الإبادة المتواصلة.

المفهوم العسكري لمصطلح "الأرض المحروقة" يشير إلى تكتيك عسكري يتمثل في تدمير أي موارد أو بنى تحتية قد تفيد العدو أثناء التقدم أو الانسحاب، و يشمل هذا التدمير المباني، المحاصيل، مصادر المياه، الجسور، وسائل النقل، وحتى الإمدادات العسكرية والمدنية.

يهدف تكتيك الأرض المحروقة؛ لحرمان العدو من الموارد التي قد تساعده في التقدم أو الاستمرار في القتال؛ والقضاء على تقدم قواته؛ واضعاف معنوياته من خلال خلق بيئة غير صالحة للحياة؛ واجباره الاعتماد على خطوط امداد طويلة تضعفه لوجستيا؛ وتحرمه من موارده العسكرية المتاحة فوق الأرض وتحتها؛ ومنعه استخدامها في المعركة.

تاريخيا؛ في القرن الثامن عشر؛  تلك السياسة واجهها الروس في مواجهة نابليون؛ كما أيضا استخدمها الأمريكان فترة الحرب الأهلية؛ وأيضا استخدمها الروس مجددا في الحرب العالمية الثانية ضد الألمان؛ كما استخدمتها القوات الامريكية ضد الفيتنام.

تحقق السياسة عادة أهدافها تجاه المواقع المدنية والعسكرية؛ فهي تدفع المواطنين للنزوح وتفاقم المعاناة الإنسانية؛ وتثبت نجاعتها العسكرية في الدول التي استخدمتها.

ويعدّ هذا التكتيك على الرغم من وحشيته؛ أداة حاسمة في العديد من الحروب، ويظل مثيرًا للجدل بسبب تأثيره الإنساني.

لكنّ في غزة؛ الأمر يبدو مختلفا؛ فالدمار وإن حصل؛ بدت المقاومة أكثر مرونة؛ كعنقاء تخرج من بين الركام؛ بعد 16 شهرا من حرب الإبادة؛ تخرج الأسرى على دفعات بين الركام تارة؛ ومن الأنفاق أخرى؛ ومن حيث لا يعلم العدو دوما وابدًا بكل تأكيد.

 مرونة عالية!

يقول العميد اللبناني أكرم سريوي، الخبير في الشؤون العسكرية، أن تكتيك "الأرض المحروقة" الذي اعتمدته قوات الاحتلال في غزة قد فشل في تحقيق أهدافه الاستراتيجية، سواء في القضاء على المقدرات العسكرية للمقاومة أو في فرض واقع جديد يخدم مصالح الاحتلال.

وأوضح العميد سريوي في تصريح خاص بـ"الرسالة نت"،  أن التدمير الواسع للبنية التحتية واستهداف الأحياء السكنية والمنشآت المدنية لم يؤثر بشكل جوهري على قدرات المقاومة، التي أثبتت مرونتها العالية في مواجهة هذا التكتيك. وأضاف أن المقاومة اعتمدت استراتيجيات بديلة، بما في ذلك التحصينات تحت الأرض، تكتيكات الكر والفر، والاعتماد على منظومات صاروخية محلية الصنع، مما جعل من الصعب القضاء عليها باستخدام أسلوب التدمير الشامل.

وأشار الخبير العسكري إلى أن تكتيك "الأرض المحروقة" لطالما استخدم في الحروب كوسيلة لإضعاف العدو، لكنه في حالة غزة أتى بنتائج عكسية، إذ زاد من عزيمة المقاومة وأدى إلى تعاطف دولي متزايد مع القضية الفلسطينية.

 كما أكد أن الاحتلال، رغم القوة التدميرية التي استخدمها، لم يتمكن من تحقيق الحسم العسكري، مما يعكس فشل الرهان على القوة النارية وحدها في مواجهة حروب العصابات والمقاومة الشعبية.

واختتم العميد سريوي بالقول: "التاريخ العسكري يثبت أن القوة وحدها لا تكفي للقضاء على المقاومة، وأن الحرب في غزة مثال جديد على أن الشعوب التي تدافع عن أرضها قادرة على تجاوز أقسى الظروف وإفشال المخططات العدوانية مهما كانت قوتها التدميرية."

نتائج عكسية!

من جهته؛ يقول المختص في الشؤون العسكرية العميد إلياس فرحات؛ إنّ سياسة "الأرض المحروقة" التي انتهجها الاحتلال في غزة لم تحقق أهدافها العسكرية المرجوة، ولم تؤدِّ إلى شلّ قدرات المقاومة أو إنهاء فاعليتها في الميدان، رغم الدمار الواسع الذي لحق بالبنية التحتية والمناطق السكنية. 

وأوضح العميد فرحات في تصريح خاص بـ"الرسالة نت"، أنّ الاستراتيجية، التي تقوم على التدمير الشامل واستهداف كل ما يمكن أن يشكل بيئة حاضنة للمقاومة، أثبتت محدودية فعاليتها أمام تنظيمات تمتلك بنية تحتية عسكرية مرنة وقادرة على التكيف مع الظروف الصعبة.

 وأشار إلى أن المقاومة في غزة استطاعت الحفاظ على حيويتها القتالية، من خلال التحصينات تحت الأرض، والتكتيكات غير التقليدية، والاستمرار في إطلاق الصواريخ وتنفيذ العمليات الميدانية، رغم شراسة الهجوم الإسرائيلي.

وأضاف أن التاريخ العسكري يؤكد أن سياسة الأرض المحروقة نادرًا ما تحقق النصر في مواجهة حركات المقاومة، بل تؤدي غالبًا إلى نتائج عكسية، عبر تعزيز إرادة القتال والصمود، كما حدث في فيتنام وأفغانستان.

وأردف قائلًا: "ما يجري في غزة اليوم هو دليل آخر على أن التفوق العسكري لا يضمن تحقيق الأهداف السياسية، وأن المقاومة قادرة على تجاوز هذه الاستراتيجية بفضل تكتيكاتها المبتكرة ودعم بيئتها الشعبية."

وختم العميد فرحات بالتأكيد على أن "إسرائيل راهنت على سياسة التدمير الشامل لإضعاف المقاومة، لكنها وجدت نفسها أمام عدو أكثر صلابة، قادر على امتصاص الضربات والتكيف مع الظروف، مما يعكس فشل هذه الاستراتيجية في حسم المعركة أو فرض معادلات جديدة على الأرض."