بعد سنوات العذاب.. نوفل يتحدث عن نفسه

المحافظة الوسطى-محمد بلّور-الرسالة نت

كل شيء حول منزل المحرر من السجون المصرية أيمن نوفل مختلف , مئات المواطنين يحتشدون لمعانقته وعشرات الصحفيين يهرعون جيئة وذهابا لمقابلته والأهم من ذلك كله أنه هذه المرة موجود ليتحدث عن نفسه .

يستقبل نوفل ضيوفه مرتديا سروال "جينز" وسترة شتوية بينما لا تكف راحات مهنئيه عن التربيت على كتفيه ومعانقته .

وكان القيادي في كتائب القسام أيمن نوفل تمكن من الخروج من معتقل "المرج" بالقاهرة قبل أسبوع وبقي طوال الأيام الماضية يحاول الوصول لغزة بعد رحلة اعتقال دامت 3 سنوات .

التعذيب

أعرفه أحسن صحة وأقوى جسدا لكن 3 سنوات من العزل الخاص وبطعم الموت المتكرر نالت من قواه ونضارته.

طوال 3 سنوات تحدثت وسائل الإعلام وكتبت الشبكة العنكبوتية عن ألوان العذاب التي تعرّض لها نوفل في السجون المصرية لكن الرواية الأم تأتي اليوم على لسان نوفل الذي تعرض للعزل والضرب المبرح .

وأكد نوفل أنه تعرّض للاعتقال لدى الاحتلال الإسرائيلي وسمع عن تجارب معتقلين لديه لكن التعذيب في سجون مصر التي عايشها ورأى من تعذبوا فيها أكثر سوء.

وأضاف:"حققوا معي وحاولوا ابتزازي لتقديم معلومات عن المقاومة وهددوني بتعريتي وصعقي بالكهرباء ثم عصبوا عيني 15 يوما ولكموني وركلوني وشتموني بألفاظ نابية " .

عاد بجسده للوراء قبل أن يتحدث عن مشاهدته لأولئك المعتقلين الذين عذبوا بالصعق الكهربي مضيفا:"شاهدت لحمهم المشوي من الكهرباء" .

وكان نوفل قد أمضي 9 شهور في سجن أمن الدولة ثم نقل إلى معتقل المرج حتى خرج وقد تعرض خلالها لأشكال أخرى من التعذيب أنقصت وزنه عشرات الكيلوجرامات .

وعزلت السلطات المصرية نوفل عن العالم في أغسطس 2009 حتى مايو 2010 فأغلقت فتحة الهواء الوحيدة لزنزانته والتي لا تتجاوز 25 سنتيمتر فلم ير الشمس وصادروا كافة مقتنياته من راديو وتلفزيون وسخّان كهربي وتركوه على بلاط الزنزانة خشية أن يتمكن من التواصل مع العالم .

روايات الموت

التقى بعدد من المعتقلين من عدة جنسيات منها مصرية وفلسطينية حدثوه فيها عن وسائل التعذيب التي كان له نصيب منها .

ومن أبرز قصص التعذيب في سجون مصر حادثة استشهاد يوسف أبو زهري شقيق الناطق باسم حركة حماس سامي أبو زهري.

عن قصة أبو زهري أضاف:"قابلت أحد المعتقلين الذين كان في سجن أبو زهري حيث كان في مركز تحقيق الجهاز المركزي-أمن الدولة بمدينة نصر ويسمونه المسلخ وقال لي انه سمع صرخة أبو زهري وهو يعذب الكهرباء وكانت صرخة الموت وتلاها سكون ثم سمع بكاء المعتقلين" .

وأخبر المعتقل المحرر نوفل أن المحقق كان يهدد المعذبين تحت سياطه بالقول:"أنتم عندي مجرد أرقام ليس لكم أسماء إذا قتلتكم سأدفنكم ولن يعرف عنكم أحد شيء  ! " .

الخروج من القبر

تجرّع نوفل حالة الظلم يوميا وقابل عشرات المعتقلين السياسيين المظلومين وبعض الجنائيين المظلومين والذين زج بهم ما أسماه النظام المصري الفاشي في السجون .

تابع أخبار العالم عبر جهاز الراديو في زنزانته وتلفزيون النيل والقناة المصرية الأولى والثانية والثالثة المسموح له بمشاهدتها.

كانت الأنباء تحمل تجربة تونسية ثانية ولكن هذه المرة في قلب القاهرة وقد شاهد المتحدثين في المحطات المصرية يفارقون بين الحالتين .

قبل خروجه بيوم وبعيد العصر بدأ الجنود يطلقون النار داخل سجن المرج لإرهاب السجناء حيث بدأ الكل يتوقع انهيار النظام المصري وبعد ساعات سرت حالة من الهرج والمرج داخل السجن فبدؤوا بإطلاق النار مباشرة على المساجين .

تنبّه المعتقلون لهروب الضباط والجنود فبدؤوا بتكسير أبواب الزنازين والعنابر وقد ساعدهم في ذلك أهالي المعتقلين الذين قدموا للسجن فهدموا الباب الخارجي للسجن وحرقوه .

اندفع آلاف المعتقلين إلى العالم الخارجي ورأى نوفل النور بعد طول غياب فقد كان المكان موحشا خاصة مع هروب الجلادين من حولهم.

وقال:"كان شعوري هو شعور المظلوم في تلك اللحظة وقد كنا نتابع الأخبار وسمعنا ما حدث في سجن أبو زعبل عن خروج المعتقلين وتوقعنا انهيار النظام المصري" .

غادر نوفل زنزانته وغادر معه زميله السجين السياسي الوحيد الذي غادر لاحقا مصر.

هرع يعدو دون وجهة محددة ثم أجرى اتصالا مع قيادة حماس في غزة وهناك تم التواصل مع بعض المواطنين المصرين لتتم استضافته طوال أسبوع سبق عودته لغزة.

أصعب أيام

يطوّق نوفل طفله الصغير أنس الملتصق به منذ عودته ويقول إن أقسى ما يتذكره هو اعتقاله وتعذيبه لدى نظام يدعي دعم القضية الفلسطينية .

وأضاف:"يدّعي النظام دعم فلسطين ويعتقل المجاهدين دون سبب ! فإن كان هذا هو دعم القضية فبئس الدعم هو ! "

وأشار أن اعتقاله مثّل ورقة ضغط على حركة حماس وأنه حصل على 7 قرارات قضائية بالإفراج ضربت بها أجهزة الأمن عرض الحائط حيث لا تحترم لا قضاء ولا دستور-على حد قوله .

ومن أقسى اللحظات التي مرت على نوفل هي أيام العدوان على غزة حيث لم يملك يومها إلا الالتصاق بجهاز الراديو ومتابعة التلفاز لالتقاط أخبار غزة.

عن حرب غزة قال:" تابعت الراديو والتلفاز وتألمت كثيرا وأنا أرى إخواني وأهلي يقتلوا تحت آلة الحرب الإسرائيلية , كما تأثرت كثيرا لاستشهاد أخي الشهيد عيسى البطران واحتسبته عند الله شهيدا " .

عودة الرّوح

"صمود الجماهير في الحرب والحصار أعجزني عن الكلام" كانت تلك إجابته عن شعوره عندما وصل رفح الفلسطينية وقد هرع العشرات لاستقباله ثم ما لبث الأمر أن تحول لمئات ثم آلاف حالوا دون تمكنه من مصافحة ذويه تحت السيل البشري المتدفق .

خرج نوفل من شرفة منزل مجاور لمنزله ولوّح لمستقبليه وطلب منهم أن يفسحوا له المجال لمصافحة أهله ثم وعدهم بمصافحتهم فردا فردا .

عن لحظة حريته أضاف:"شعرت بالعزة والكرامة أني بين إخواني المجاهدين وشعرت أن الناس لم تأت لاستقبالي شخصيا بل إيمانا بمنهج المقاومة وأدعو الشعب كله للالتفاف حول المقاومة" .

ووصف عودته لزوجته وأطفاله الستة بأنها مثّلت عودة الروح لجسده بعد سنوات من الفراق .

وبخروج المحرر نوفل من السجن انطوت 3 سنين من حياته بينما لازال عدد من المعتقلين الفلسطينيين يعانون الأمرين في سجون مصر ولم يسعفهم الحظ في العودة لغزة في ظروف من الصعب أن تتكرر .