طفل الشهيد "حجيلة" يهمس له: "تقلقش، إخواتي جوا عينيا"

الشهيد محمد حجيلة
الشهيد محمد حجيلة

الرسالة نت - رشا فرحات

هو، أجل هو! ذلك المحمول على الأكتاف، والذي لم يكن يعلم أي منا حقيقة هويته، قبل أن تعلن عنها حركة حماس بعد استشهاده، فهو واحد من فريق كتائب القسام الذين تسللوا إلى ناحل عوز وقتلوا خمسة جنود، بالصوت والصورة، قبل أن يعودوا من نفس النفق الذي خرجوا منه وذلك في أثناء الحرب الأخيرة على قطاع غزة، ثم يقوموا بنشر الفيديو الذي يوثق ما قاموا به.

هذه المسافة بين النفق والأرض والتي لا يقطعها شخص عادي، تمثل أعلى درجات التضحية والإيمان بالنصر، وهذا ما قدمه محمد حجيلة، الذي ودعته أمه شهيدًا فجر يوم الخميس الثاني عشر من إبريل حينما اغتالته قوات الاحتلال أثناء رباطه على ثغور غزة.

ودعته تلك الأم مثلما ودعت ثلاثة سبقوه وهي تقول: كنت أتوقع خبر استشهاده في أي لحظة!

أجل، فهي تعلم كل تفاصيل ابنها، بدءًا برباطه على الثغور ومرورًا بعملياته الكثيرة وليس انتهاء بما قام به في ناحل عوز، وفي كل مرة تمهد الطريق، وتدفع إلى الأمام وتصبر وتواسي، وفي النهاية ترفع راية الفخر قبل أن تودعه شهيدًا.

يعرفها كل الجيران، بل يطلقون جميعهم عليها لقب "خنساء فلسطين" لأنها فقدت أربعة من أبنائها فقد استشهد سابقًا اثنان من أبنائها أحدهم أدهم الذي نفذ عملية استشهادية في العام 2004 حينما استطاع مع رفاقه في القسام نصب كمين في الأراضي المحتلة لمجموعة من الصهاينة.

كما لتلك الأم شهيدان وهما زياد الذي استشهد في قصف إسرائيلي، فيما استشهد ابنها الأكبر إياد جراء مرض أصابه.

وبالعودة إلى يوم استشهاد محمد، حيث لم يكن ذلك عاديًا بالنسبة لمحبيه وأصدقائه وجيرانه، في بيت يودع الشهيد الرابع، هل لك أن تتخيل أم تودع ابنها الرابع، هل لك أن تتوقع ما يمكنها قوله ؟!

هذا ما كان يدور في بالنا حينما ذهبت "الرسالة" لزيارتها، توجسنا خوفًا من مشاعر أم ما تزال تتجرع صدمة الفقد للمرة الرابعة، ولكنها فاجأتنا، بقوة منقطعة النظير، أم لعشرة أبناء، فقدت منهم أربعة في سبيل الله، وابتسمت لنا وقالت معبرة عن مشاعرها: ذهبوا أربعة، وأتمنى أن ألحق بهم أنا وإخوتهم الستة في سبيل الله.

ووصفت لنا انتظارها الطويل لتلك اللحظة، فهي تعلم الطريق الذي يسلكه ابنها، فسلمته بثقة كاملة فهي الطريق المؤدي إلى الجنة، وأن النصر لن يأتي مجانًا، بل من خلال الشهادة. وخرجت والدة "حجيلة" يوم الخميس الماضي، تودعه بينما تحتضن يدها الأخرى أطفال، قطعت على نفسها عهد تربيتهم، وهم أبناء محمد الخمسة.

وفي طي الحديث معها عن محمد تذكرت خنساء فلسطين أخاه الذي سبقه إلى الشهادة فوصفت لنا مشاعرها بوداع آدهم ابنها الشهيد الأول، حيث كانت أمه على علم تام بالعملية، وموعد تنفيذها، وحتى موعد خروجه.

وتصف لنا مشاعرها يوم خروج أدهم للعملية، تقول: في يومها شعرت كأي أم بالخوف وكدت أن أستسلم، ولكن حينما سألني:" كيفك يمه" تحاملت وقلت له لأطمئنه:" قوية يمه، تخافش".

وتضيف: حينما عاد، كنت فخورة به، وخاصة حينما حكى لي تفاصيل العملية وبدأنا نتندر على خوف الجنود وصرخاتهم الظاهرة في تصوير العملية.

أما محمد أو حمادة كما يطيب لها أن تناديه، فله قصة أخرى في قلب أمه، فلم تتردد حينما قالت: كان عزيزًا وله معزة لا توصف، كنت أحبه حبًا متميزًا وكنت أتمنى أن يأتي ليسكن بجواري، وبالفعل بحثت عن بيوت للأجار بجوار بيتي ليسكن هو وأبناؤه معي، ولكني لم أجد، كنت أتمنى أن يقضي وأبناؤه رمضان معي.

ثم من بين ابتسامتها المرتجفة، وعيونها المليئة بالحنين إلى ابنها تقول: في يوم استشهاده، شعرت بأصوات طيران مرتفعة، ثم تلاها صوت سيارات الإسعاف، فأيقظت ابني الأصغر وسألته فطمأنني، ولكن قلبي أيضًا كان يشعر بقرب الخبر، وما هي إلا دقائق حتى جاءنا اتصال من أحد زملائه فذهبنا إلى المستشفى فورًا وحينما رأيته لم أطل النظر كثيرًا، فقط همست في أذنه لأهنئه بتحقيق حلمه، وقلت له: لا تقلق على أبنائك.

أما أبناء محمد، فهم قصة أخرى، أكبرهم عاصم، وأصغرهم عز الدين القسام، الذي يركض بيننا ويشير إلى صورة والده بين اللحظة والأخرى قائلًا:" بابا" أما عاصم فكان سعيدًا جدًا وهو يروي لنا زيارة والده له في المدرسة قبيل استشهاده وتلك الوصايا التي أعطاها لمعلمته، وفخره به وهو يستلم شهادة تفوقه من المدرسة قبل استشهاده بيوم واحد فقط، وحينما سألناه، ماذا قلت لبابا يا عاصم وأنت تودعه، قلت له:" تقلقش، ححط إخواتي جوا عينيا".