أكثر من ثلاثة أشهر مضت على الاتفاق الذي وقعته حركتا فتح وحماس في القاهرة مطلع أكتوبر الماضي، كان يُأمل أن ينهي به الفلسطينيون ملف الانقسام الداخلي ليعبروا عامهم الجديد بأوراق قوة تتناسب مع حجم التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية.
وأولى الملفات التي تم ترحيلها للعام الجديد هي ملفات المصالحة الثقيلة والتي تلقي بظلالها على مجمل الأوضاع الإنسانية والسياسية الفلسطينية.
ومن المفارقة أن الدوافع والظروف المحيطة تدفع الكل الفلسطيني نحو المصالحة وتوحيد الخطاب السياسي لجميع الفصائل اتجاه القضايا المركزية غير أن حركة فتح وعبر السلطة تحديدا ما زالت تعرقل عملية المصالحة من خلال التنصل من مسؤولياتها اتجاه قطاع غزة على كل الأصعدة.
ويمكن طرح عدة دوافع للمصالحة وهي:
- مضي أكثر من عشرة أعوام على الانقسام شهدت خلالها القضية تراجعا ملحوظا على كل الأصعدة، وساهم في استفراد الاحتلال بكل طرف على حدا، فقد عزز من هجمته الاستيطانية وقبضته الأمنية على الضفة، وزاد من الضغوطات الإنسانية في قطاع غزة.
- وصول جل المشاريع السياسية للفصائل إلى حائط مسدود، فقد فشل مشروع التسوية في تحقيق أي انجاز وانتهى بفشل ذريع، في حين لم يتمكن مشروع المقاومة المسلحة رغم إنجازاته العسكرية من ترجمتها على المستوى السياسي.
- الأزمات الإنسانية والمعيشية التي طالت الجبهة الداخلية الفلسطينية والتي تتطلب أن يتم تعزيز صمودها من خلال المصالحة حتى تستمر في كونها رافعة للمشروع الوطني.
- تراجع الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية لصالح قضايا الشرق الأوسط التي باتت أكثر إلحاحاً بالنسبة للعالم.
- إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب مدينة القدس المحتلة عاصمة لدولة الاحتلال والذي ساهم في إعادة القضية الى صلب الاهتمام الدولي وكان من المتوقع أيضاً أن يدفع جميع الأطراف وتحديداً حركة فتح إلى تسريع خطوات المصالحة لمواجهة الهجمة الشرسة على القضية.
- فشل حل الدولتين وتزايد الحديث عن صفقة القرن وبعض المشاريع التي تهدف لتصفية القضية الفلسطينية والتي تحتاج إلى وحدة وطنية لمواجهتها.
- التطبيع العربي الإسرائيلي والذي بات يهدد القضية حيث ان بعض الدول العربية باتت ترى في "إسرائيل" حليفا لمواجهة إيران وبالتالي باتت على استعداد للتضحية بالقضية المركزية للعرب في سبيل مصالحها وحربها ضد إيران.
وربما تعكس التحديات المذكورة حجم المأزق الذي تعاني منه القضية الفلسطينية على كل المستويات والتي من المفترض أن تشكل منطلقات قوية تدفع الجميع نحو تطبيق المصالحة وتذليل العقبات أمامها، إلا أن سلوك السلطة وحركة فتح اتجاه ملف المصالحة حتى بعد اعلان ترمب يظهر أن هناك الكثير من العقبات ما زالت تقف في طريق المصالحة أبرزها:
- الاجماع الوطني على نضج حركة حماس السياسي الذي دفعها لتقديم الكثير من التنازلات لإنجاح المصالحة، يتبعه إجماع أيضا على أن فتح من الصعب أن تؤمن بالشراكة أو تقبل بأن تتخلى عن تفردها بالقرار السياسي والمالي الفلسطيني وتحديداً الرئيس أبو مازن الذي يحتكر كل القرارات وهو المعيق الأكبر أمام المصالحة والمعطل لباقي الملفات.
- المعيق الثاني يتمثل في اختلال البرامج السياسية بين فتح وباقي الفصائل حيث أصبح هناك قناعة لدى الجميع على فشل مشروع التسوية، وأهمية المحافظة على مقدرات المقاومة سواء المسلحة أو شعبية وهي رؤية تتناقض مع رؤية عباس الذي أعلن مرارا أنه لا مصالحة في ظل سلاح المقاومة، ويعتبر هذا الملف اللغم الذي سيفجر المصالحة إذا ما بدأت الأطراف بحوار جدي حوله.
- رفض السلطة الاعتراف بالموظفين الذين عينتهم الحكومة بعد عام 2007 ما يهدد مستقبل أكثر من 40 ألف أسرة.
تلك العقبات من غير المتوقع أن تشهد تغييرا لافتا خلال العام الجديد في ظل تمترس القيادة الفلسطينية على مواقفها، وربما يرتبط أي تغيير على هذا الصعيد بتغيير رأس الهرم في السلطة وهو أمر متوقع في ظل الانشغال العربي والدولي في التمهيد لبديل أبو مازن لكن هذا يعني أن المصالحة لن تشهد تغييرا ملموسا في الأفق القريب.