مقال: ما بعد عباس..!

بقلم : عماد توفيق

تتواتر الأخبار بين الفينة والأخرى عن نية الرئيس عباس الاستقالة خلال الأشهر القادمة، وان الاعلان عن الاستقالة مرتبط بانعقاد اجتماع موسّع بعد عقد جلسة المجلس الوطني، وقبل عقد مؤتمر "فتح"، يحضره أكثر من 300 شخصية قيادية، حيث رجحت أكثر التحليلات المتفائلة سبب نيته الاستقالة إلى كبر سنه وتعبه وشعوره بالإحباط والخذلان من اليهود والأمريكان الذين قاموا بتحطيم كل بيضه الذي وضعه في سلة "عملية السلام"، والتي انجبت مولودا مشوها اسمه الاستيطان والعنصرية والعدوان، وتهويد القدس وقطع الطريق على قيام دولة فلسطينية.

ليس صحيحا ان يأس الرئيس يعود الى اقتراب حكومة نتنياهو من عقد اتفاق هدنة طويلة الأمد مع "حماس" الأمر الذي قد يضعف سلطته لصالح تقوية سلطة "حماس"، حيث ان عقد اتفاق كهذا لا يحظى بالنجاح في ظل الفوضى التي تعم المنطقة، وما يدور حوله من أحاديث هو تخمينات وتسريبات اعلامية لا أكثر.

صحيح ان مشوار الرئيس عباس وصل إلى طريق مسدود اسمه مهزلة "عملية السلام"، التي أدت إلى تهميش القضية الفلسطينية، وتسببت دكتاتورية الرئيس في تآكل الشرعيات سواء لمقعد الرئاسة او لمنظمة التحرير أو للمجلس الوطني، ما سمح بتجذر الاحتلال والاستيطان والانقسام، وبات استمرار الحال من المحال.

ورغم إعلان الرئيس المباشر وغير المباشر بأن هذا الوضع يستحيل أن يستمر، ورغم أن الرئيس ما زال معلق في حبال الأوهام فهو لا يريد الاستسلام كما لا يرغب بالمواجهة، فان الحل في نظر عباس يتمثل فقط في تجديد الشرعية للمجلس الوطني ومنظمة التحرير الباليتان، ولم يجد طريقة لذلك سوى بالاستناد على حزب واحد ولون واحد واتجاه سياسي واحد اثبت فشله على مدار ال20 سنة الماضية متمثلا في عقد مؤتمر فتح السابع..!!

لا شك ان الحروب والمواجهات التي خاضتها المقاومة في غزة مع الاحتلال اثبتت ان المواجهة مع العدو هي السبيل الوحيد لتغيير موازين القوى، كما باتت هي الطريق الوحيد لتحقيق الاجماع الوطني وتجديد الشرعيات على اسنة البنادق وليس على ارائك الاتفاقات المخزية مع العدو.

 فيما تواصل المقاومة التدريب والاستعداد ومراكمة اسباب القوة بات على السياسيين الذين يقفون خلفها في مختلف القوى والفصائل، التوقف والالتفات برهة إلى الخلف للإلقاء نظرة مراجعة للتجربة الماضية بشكل جذري وعميق، لجهة استخلاص العبر، وتعزيز نقاط القوة، وتصحيح الأخطاء، على طريق صياغة عقد اجتماعي جديد، وميثاق وطني عوضا عن الذي الغاه ياسر عرفات تحت اقدام كلنتون في غزة ، لنحفظ لأجيالنا الصاعدة الرواية التاريخية الحقيقية للصراع، بما يحفظ لهم الحقوق ويجسّد القيم الوطنية التي تفتح طريق المستقبل نحو الحرية والانعتاق.

وهذه الغاية لا تتحقق على طريقة الرئيس عباس الذي يريد عقد جلسة للمجلس الوطني دون ضمان مشاركة مختلف القوى والفصائل الموقّعين على "اتفاق القاهرة"، حيث لن يؤدي ذلك الى إحياء المنظمة كما يريد الشعب ويرغب؛ بل سيحول المنظمة إلى مجرد جيب لدى فريق سياسي متمثلا في حركة فتح والفصائل التي تدور في فلكها.

لو كان الرئيس عباس وصل حقا الى قناعة وطنية متجردة بفشل مشروعه السياسي ويأسه الحقيقي من اليهود والأمريكان، لأقدم ليس نكاية فيهما فقط بل ومن منطلق وطني ايضا بدعوة الإطار القيادي المؤقت للمنظمة للمشاركة في التحضير لعقد مجلس وطني جديد كما جاء في "اتفاق القاهرة"، لضمان تمثيل كافة القوى والفصائل ومختلف التجمعات الفلسطينية في كل مكان، عبر الانتخابات حيثما أمكن، وبالتوافق حيثما تعذر.

وبدلًا من أن تقوم حماس بما تمثله من وزن سياسي ومكانة وطنية وموقع متقدم ومتميز في تمثيل القضية في كثير من المحافل والساحات، بواجبها في وقف نهج التفرد في عقد دورة استثنائية للمجلس الوطني القديم من وراء ظهر قوى الشعب الفاعلة، عبر لجنة ثلاثية من حركة فتح ومن لف لفها برئاسة صائب عريقات وعضوية عزام الأحمد وأحمد مجدلاني، ها هي حماس تكتفي برفع الغطاء السياسي عما يجري وتكتفي بالإعلان عن عدم الاعتراف بنتائجه.

نظام المحاصصة الفصائلية، ونظام الكوتا في توزيع مقاعد المجلس الوطني على الفصائل والاتحادات الشعبية التي تتبع اصلا في معظمها حركة فتح سيعيد انتاج الفشل، اذ ان كثير من القوى والفصائل التي كانت في المجلس الوطني اضمحلت وتلاشت  فلا داعي لاستمرار تمثيلها في اللجنة التنفيذية، على حساب الفصائل الجديدة التي يرى الناس اوزانها الثقيلة في الميدان.

ان المسؤولية الوطنية باتت تفرض على حركة حماس التخلي عن التعامل بندية المناكفة مع حركة فتح ومن يدور في فلكها من فصائل، لصالح التعامل بروح أكثر وطنية وابوية تدفعها لقيادة توجه وطني جديد يتمخض عنه تقديم مبادرة وطنية بحتة تلبي احتياجات الشعب الفلسطيني وطموحاته ومصالحه عبر انتخاب مجلس وطني حيثما أمكن، ومن خلال التوافق الوطني الموضوعي حيثما تعذر، مجلس وطني ممثل وفاعل لا يزيد عدد أعضاءه عن 350 عضوًا، مع ضمان إعطاء كل تجمع حقه بانتخاب أو اختيار ممثليه، وتجديد مجالس الاتحادات الشعبية والنقابات بالانتخابات الدورية .

مغادرة الرئيس عباس مقعد الرئاسة دون ضمان انتاج نظام سياسي يعيد ترتيب المجلس الوطني والمنظمة على أساس الوحدة والمشاركة الوطنية لن يساهم الا في اعادة انتاج الفشل وترك الابواب مشرعة للفوضى.