يتعدى استخدام حاويات القمامة تجميع "الزبالة"، واعتبارها محتوى تعبيريا عن مستوى النظافة، بل يتجاوز شكلها وانتشارها البعد البيئي ليمتد إلى الأبعاد السياسية وحتى الحضارية، فمثلا تستطيع أن تحكم على مستوى رقي بلد وتحضره من حاويات القمامة.
فلسطينيا وعلى مدار الانتفاضات كانت حاويات القمامة أداة من أدوات الغضب ومواجهة المحتل، تستطيع أن ترصد اليوم البعد الانتفاضي للحاويات في ساحات المواجهة في الضفة الغربية، حيث تتحول إلى حواجز ومتاريس لعرقلة تقدم واقتحام جيبات الاحتلال، وفي تكتيك آخر تستخدم الحاويات دروعا متحركة يحتمي خلفها المنتفضون لصد الرصاص المطاطي والغاز والرمي من خلفها أثناء مهاجمتهم قوات الاحتلال، حتى جنود الاحتلال يستخدموها كسواتر عسكرية لملاحقة وقنص الشبان.
خلال ثورات الربيع العربي كانت الحاويات أدوات احتجاج سلمية ضد الزبالة السياسية والسلطوية، دفعها في الشوارع بعشوائية أو إشعال الزبالة فيها إشارة إلى الفوضى وخروج الأوضاع عن السيطرة، بينما في زمن الثورات المضادة ملأت الزبالة الحاويات وفاضت الى الشوارع في تعبير دلالي عن الفشل في الإدارة، إنها علاقة متوازية تفضح من يسقط في السيطرة على الزبالة، بأنه ساقط في الإدارة السياسية، لهذا قالوا في المثل الشعبي المغربي: "جالس على الزبالة ويحكم على الدبانة".
في المقابل تكشف سيرة رجب طيب اردوغان عن احد أسرار نجاحه خلال رئاسته لبلدية إسطنبول، فقد مارس إدارة إبداعية "للزبالة"، حيث نظم حملة إعلامية تثقيفية كبيرة تم خلالها غرس القيم الإسلامية مع توفير إمكانات النظافة، فصارت اسطنبول من أروع المدن عالميا بعدما كانت حاوية كبيرة للقمامة، والأغرب من ذلك أنهم استفادوا من القمامة في اسطنبول واستثمروها، فولدوا منها طاقة تكفي لإنارة 100 ألف منزل من خلال تسيير 500 شاحنة كبيرة يوميا محملة بالقمامة من المدينة وتُفرش بها الأرض في منطقة منعزلة، ثم توضع الرمال فوقها حتى يُمنع عنها الأوكسجين لمدة عامين، وخلال تلك الفترة تقوم أنابيب كبيرة بشفط غاز الميثان من القمامـــة وتحويله إلى مصنع لإنتاج الكهرباء.
أما في لبنان فباتت الزبالة تختصر أزمة وطن واصبح شعار "طلعت ريحتكم".. تعبير عن احتجاج شعبي ينقل الغضب من أزمة القمامة إلى مأزق الطبقة السياسية في لبنان، لهذا لا تستهينوا بحاويات القمامة فهي عنوان للنجاح والفشل، ومن يسقط فيها: "إلى مزابل التاريخ".