مقال: أحلام المدينة العتيقة

بقلم :وسام عفيفة

تثور مشاعرنا وتنتفض قلوبنا ونحن نتابع بحماسٍ وتحفُّزٍ أهلَنا وثوارنا في القدس وهم يخرجون لعدونا من كل بيت وحارة وشارع، نطوف معهم بمخيلتنا في محيط الحرم، نتنقل بين الشوارع التجارية والأزقة المجاورة، وبمحاذاة البيوت العتيقة، فما لنا سوى الصور والمشاهد وأحلام اليقظة، نعبُر من خلالها إلى زهرة المدائن، وأنا الفلسطيني لم تطأ قدمي أعتابها يوما ومثلي أجيال صاعدة باتت الأرض المقدسة محرمة علينا.

القدس المنتفضة بالنسبة لنا مثل رضيع وضعته أمه ثم ماتت، ثم كبرنا على وصفها دون أن نراها... فقط نتخيلها، نرسمها جميلة في أحلامنا، نحِنُّ لحضنها رغم أننا لم نعش من قبل في ظلها، ولم نُجرّب الخشوع والتجلي في كنفها.

ورغم أن المثل الشعبي حذرنا: "البعد جفا"، وعليه كنا نقرر أن نريح أنفسنا عناء التفكير بالزهرة، وننشغل بهمومنا وهموم وطن صغير صنعه لنا الاحتلال على مقاسه، حتى يختلي وحده بها، حتى صرنا نتجرأ ونعلنها بإحباط، أنها لا تعنينا، لا تهمنا، ليست على سلم أولوياتنا، فهي غريبة عنا ونحن بعيدون عنها.

ثم ما تلبث أن تصدمنا، تُفاجِئنا بحجارتها وسكاكينها وإطاراتها المشتعلة، تشدنا نحوها بمآذنها وقبابها، بمرابطيها وحرائرها، تذكرنا أنها جزء منا ونحن بدونها بلا وطن وبلا هوية، هكذا نتفاعل وننفعل مع الأحداث نتمنى لو كنا معهم في القدس نساندهم، ونرمي معهم عن قوس واحدة، وعندما نشعر بالعجز تسبقنا عبراتنا ونبكي، حتى تهزنا كلمات الشاعر تميم البرغوثي:

يا أيها الباكي وراءَ السورِ، أحمقُ أَنْتْ؟

أَجُنِنْتْ؟

لا تبكِ عينُكَ أيها المنسيُّ من متنِ الكتابْ

لا تبكِ عينُكَ أيها العَرَبِيُّ واعلمْ أنَّهُ

في القدسِ من في القدسِ لكنْ

لا أَرَى في القدسِ إلا أَنْتْ