تثير صور أجساد الأطفال، التي ألقت بهم أمواج البحر على شواطئ ليبيا الحسرة والوجع في نفوسنا، وتحترق قلوبنا عندما نتخيل صور أطفالنا بينهم؛ ما يجعلنا نكفر بكل هذا العالم الظالم، وتلك الحدود العربية التي تلفظ آلاف العائلات السورية والفلسطينية الهاربة من جحيم الموت في الشام، أو من قهر مخيمات اللجوء في دول الجوار.
تتواصل فصول المأساة في المشهد الآخر الذي لا يقل ألما، حيث الأجساد المتكدسة في شاحنة الدجاج بينما تصف الوجوه المخنوقة لنساء وأطفال ورجال، كيف صارعت الموت لساعات طويلة، بعدما القى بهم تجار البشر من متعهدي عمليات الهجرة غير الشرعية ليلاقوا مصير الدجاج في النمسا.
تجار الحروب الذين يشحنون الهاربين في قوارب الموت، أو يكدسونهم في ثلاجات الدجاج هم أنفسهم الذين يحاصروننا في غزة، رغم اختلاف جنسياتهم سواء فلسطينية عربية أو إسرائيلية أو غربية، فهم جميعا يتمنون أن يستيقظوا ليجدوا البحر قد ابتلع غزة، أو ماتت خنقا محاصرة بين الأسلاك الشائكة والحواجز والمعابر.
رغم ذلك هناك من يعترض على طريقة موتنا على أرضنا في غزة، ويستهجن أن نموت ونحن نقاوم، واستكثر الثمن الذي ندفعه من دمائنا وأجسادنا مقابل أسر جندي إسرائيلي، أو ضربات في عمق الاحتلال، وكأننا في ترف نتنقل بين الخيارات والحلول التي تنهي عذاباتنا وقضيتنا مع المحتل بينما نتطوع بالموت بعدما شبعنا من الحياة.
يمكن أن يقدم أصحاب الأفكار الفيسبوكية المكيفة والمنعمة بالدولارات الشهرية من أموال المانحين، فزلكاتهم ووصفاتهم لأولئك الفلسطينيين اللاجئين الهاربين الذين يموتون كل يوم في عرض البحر، وهكذا يوفرون عليهم مغامراتهم بالهجرة إلى المجهول، وكأن الفلسطيني اختار قدره وطريقة موته، بل كأنه اختار هويته وقضيته ونكبته ولجوءه ونكسته ونزوحه ومخيماته وحروبه وتسوياته، واختار قيادة منهزمة وعروبة منكسرة، ثم بعد ذلك يحدثونك عن طرق أخرى غير المقاومة العسكرية، وحسابات مقايضة الأرواح الفلسطينية مقابل إنجازات المقاومة.
لم أجد في تاريخ ثورتنا ومقاومتنا ردا أفضل من كلمات غسان كنفاني الذي قال لهم: لا تمت قبل أن تكون ندا، واحــذروا المــوت الطبيعــي.... ولا تموتــوا إلا بيــن زخــات الرصــاص. لقد تشبث كنفاني الأديب الثائر بالحياة من زاوية الموت، مؤمنا أن قضية الموت ليست على الإطلاق قضية الميت، إنها قضية الباقين، وقال إن الحياة ليست نصرا، الحياة مهادنة مع الموت، وانتقد حال من أيقنوا أنهم سوف يحيون لأنهم قيموا الحياة بحسابات الربح والخسارة: "إن الموت السلبي للمقهورين والمظلومين مجرد انتحار وهروب وخيبة وفشل".