مر زمان كانت فيه الأسطورة الأمنية الإسرائيلية تهيمن على العقل والوجدان الفلسطيني والعربي، حيث تمتد ذراع الموساد الطويلة لتختطف الجنين من بطن أمه في أي مكان بالعالم، بينما يكتشف "الشاباك" أفكارنا ويداهم أحلامنا، وهكذا نشروا القصص والبطولات ابتداء بالاغتيالات الشهيرة لقادة منظمة التحرير في بيروت، مرورًا بخطف الزعيم النازي ادولف ايخمان، حتى أصبحنا "ملبوسين" بسحر الأمن الإسرائيلي لزمن من شواهده:
ملاحقة مخطّطي عملية ميونخ واغتيالهم واحدًا تلوَ الآخر، بوسائل مختلفة، وصولا إلى علي حسن سلامة الأكثر ذكاءً ومراوغة من بين الأهداف.
ثم عملية "ربيع الشباب" عام 1973 وهي العملية الأكثر إثارة من بين عمليات الموساد، وما جعلها مشهورة بحسب الرواية الإسرائيلية هو حقيقة أنّ الإسرائيليين كانوا متنكّرين بزيّ نساء- من بينهم إيهود باراك الذي كان رئيس سرية هيئة الأركان العامة في تلك الفترة- وتمكنوا من اغتيال نحو مئة من كوادر حركة فتح والجبهة الشعبية، إضافة إلى ثلاثة من كبار مسؤولي فتح وهم: ابو يوسف النجار، كمال ناصر وكمال عدوان.
في عام 1960 تم إرسال مخبرين إسرائيليين إلى بوينس آيرس، حيث تمكّنوا من التأكد من أن الحديث يجري عن أدولف إيخمان، وحينئذ بدأ تشكيل خطة لعملية القبض عليه، وتم نقل إيخمان من الأرجنتين إلى (إسرائيل) في تابوت، حيث سُجن وتمت إدانته بموجب قانون النازيين، وحكم عليه بالإعدام، وهكذا تعج كتب الموساد بالعمليات والاستعراضات الأمنية والعسكرية.
ميدانيا لطالما استعرض محققو الشاباك في أقبية التحقيق وخلال المقابلات الإجبارية للفلسطينيين في مكاتب الإدارة المدنية والمعابر في الضفة والقطاع، اقنعونا أننا مخترقون حتى غرفة النوم، ويفاجئ ضابط المخابرات أحدهم: "اليوم أنتم طابخين ملوخية"، ثم يستعرض أسماء الجيران والأشقاء الذكور والإناث المتزوجات والعزباوات، ويذكر اسم أم أحدهم الذي لا يعلمه أحد في الحارة، وبالمناسبة كنا في طفولتنا نحرص على إخفاء أسماء أمهاتنا عندما تطلب المدرسة بيانات العائلة، وكان أصعب موقف للطالب أن ينعته زملاؤه باسم أمه خصوصا اذا كان اسما قديما، مثلا: ابن محضية، ابن مدللة، ابن هندية... وهكذا الحال مع الضابط الإسرائيلي.
انهارت الأسطورة، وأصبحوا يتحدثون عن قصة إخفاق وفشل متواصلة، فالمقاومة التي أسرت جلعاد شاليط 5 سنوات في غزة "الحاكورة الخلفية لدولة الاحتلال"، أخفته خلف عيدان "الملوخية" وبين أسماء الأمهات ولم يعد إلا بصفقة تبادل.
اليوم تنتقل أسطورة الغموض والتحدي لجانب كتائب القسام، أما رواية الاحتلال "البايخة" حول أسراه وعددهم وعرقهم وطريقة وصولهم لأيدي المقاومة، فسوف تفندها في قريب الأيام حقائق "القسام" الصادمة للمجتمع الإسرائيلي، فما ظهر حتى الآن مجرد البداية وعلى رأي المثل: "أول الرقص حجلان".