مقال: تحليل:غزة الشَجاعة

حنين حسن، الباحثة في جامعة كولومبيا الأمريكية

(عام قد مضى على انقضاء الحرب، لم يشهد خلاله الفلسطينيون في غزة أي تغيير سوى المزيد من الدمار).      

غزة_ عام قد مر على خوض غزة لحربها الثالثة مع إسرائيل خلال أقل من عقد من الزمان. يدفع ثمنها الآن سكان القطاع الذين تدمرت مساكنهم والتي لم يعاد بنائها حتى الآن بسبب التأجيلات المستمرة والمتكررة لعملية إعادة الإعمار،في عملية تعافي تبدو بعيدة المنال.

خمسون يوماً من العدوان تسببت في دمارٍ واسع النطاق. قُدّرت خلاله الأضرار المباشرة وغير المباشرة على القطاع بحوالي 1.4بليون دولار، فيما خلفّت خسائر اقتصادية بما يوازي 1.7 بليون دولار.

في المقابل، حتى يونيو2015، لم يدخل القطاع سوى أقل من واحد بالمائة من مواد البناء اللازمة لإعادة الإعمار.

إلى جانب الدمار القائم، استوجب على سكان غزة أيضاً التعامل مع الخسائر البشرية الفادحة التي تسبب بها العدوان.

 حيث استشهد في الحرب الأخيرة ما يزيد عن 2000 فلسطيني،يجدر الإشارة أن الربع منهم هم من الأطفال. هذا بالإضافة إلى إصابة أكثر من 10,000 فلسطيني.

 في حين أنّ ما يقارب من 90,000 عائلة فلسطينية وجدت نفسها مجبرة على التأقلم مع حياة التشرد. و ما يقارب 1.4 مليون مواطن أصبحوا في حاجة إلى المساعدات الغذائية.

عملية وقف إطلاق النار الأخيرة من قِبل إسرائيل ما هي إلا الدليل الأكبر على إحكام إسرائيل السيطرة على موجتها المستمرة من التصعيد الممنهج والإعتداء الصارم على القطاع.

حسب المصطلحات الإسرائيلية، تُدعى أعمال العنف هذه بعملية "جزر العشب". في حين وصف مسؤولٌ عسكريٌ أمريكي عدوان العام الماضي بأنه عملية " إزالة للتربة السطحية".

تستمر إسرائيل بعملية " جزر العشب" هذه منذ عقود. لأسباب لا تتعلق بالأمن الإسرائيلي أو بحماس، ولكن-بحسب وصف الغزيّين- فهي لتحطيم الروح المعنوية للسكان والاستيلاء على أرضهم.

حين شنّت اسرائيل غاراتها الكثيفة على قطاع غزة، دعت المواطنين لإخلاء ما يقارب نصف مساحة القطاع. حيث الكثافة السكانيّة تُقدّر ب 4,700 شخص لكل كم مربع-مقارنةً ب305 أشخاص في إسرائيل- ومع استمرارية إغلاق المعابر من الجانبين الاسرائيلي والمصري؛ لا يبدو أن هناك أن  أي سبيل للهرب.

تعرضت جميع مناطق القطاع لقصفٍ شديد، لكن تلك التي دُمّرت بالكامل هي التي تقع على المناطق الحدودية الخارجية مع إسرائيل.

وبعد مرور عام، ومع استمرارية منع دخول مواد البناء إلى القطاع وبقاء المناطق الحدودية في حالة خراب؛ اضطر السكان إلى إيواء أنفسهم في المدارس والملاجئ، أو استئجار بيوت جديدة في المناطق الوسطى من القطاع.

وفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية؛ فإن 485,000 شخص- 28% من سكان القطاع- قد نزحوا من منازلهم خلال ذروة العدوان الإسرائيلي.

يعيش هولاء النازحون الداخليون- 87 % منهم هم عائلات- مع عائلات مضيفة في شقق مستأجرة، أو في وحدات جاهزة أو خيام أو ملاجئ مؤقتة. في حين ما زال آخرون يعيشون على أنقاض منازلهم المدّمرة، مما يثير قلقاً بشأن مستوى الأمان والحماية.

هذه الاستراتيجية في تدمير المباني ومنع إعادة الإعمار تُظهر نمط من الاستيلاء الاسرائيلي غير المباشر على الأراضي الفلسطينية، والمحاولة المستمرة في توسيع نطاق المناطق العازلة الإسرائيلية على حساب الأراضي الفلسطينية.

منذ توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993، صادرت إسرائيل أكثر من 685,000 دونماً ( الدونم الواحد يعادل 1000متر مربع) من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، لدواعي أمنية أو لبناء المستوطنات الاسرائيلية عليها، في ممارسات مستمرة لم تتوقف منذ عقود.

انطلاقاً مما سبق، فإن عملية العزل والفصل الجغرافي لغزة تتفق مع ما نتج عن اتفاقية أوسلو عام1993، التي تسعى لتقسيم السكان الأصليين في مساحات منعزلة مشار إليها مفهومياً ومادياً.

هذا في الواقع ما هو إلا جزء من الخطة الإسرائيلية لضم أكبر مساحة ممكنة من أراضي الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة إلى سيطرتها دون إشراك السكان الأصليين الفلسطينين فيها.

وبالمثل، فإن تدمير الإقتصاد الفلسطيني وتطويعه لخدمة مصالح الإقتصاد الإسرائيلي ما هو إلا شرط لنجاة المشروع الصهيوني، والسماح له بالتحكم وجني الفوائد من أي اضطرابات على الجانب الفلسطيني.

تجارة غزة بما فيها الاستيراد والتصدير والعمالة والعوائد الضريبية والسفر وإدارة الإعمال جميعها مرهونة بالبيروقراطية الإسرائيلية التي تعمل بشكل تدريجي على مسح الاستثمارات المحلية الخاصة ومنع ظهور أي هياكل اقتصادية شبه وظيفية في القطاع.

سارة روي، الباحثة في مركز هارفارد لدراسات الشرق الأوسط، تصف هكذا سياسات بأنها " تعجيز للأسر والمجتمعات، وتدمير لروحها المعنوية".

على مدى السنوات الثماني الماضية،قامت اسرائيل بحجز وحراسة قطاع غزة تحت سياسات استعمارية من القرن التاسع عشر، تاركة ما يقارب مليونيّ شخص محاصرين مكانياً دون حاضر أو مستقبل.

والآن، يمنع هذا الحصار عملية إعادة الإعمار للآلاف من المنازل، المدارس، المستشفيات، محطات الطاقة، وشبكات المياه التي دُمرّت خلال الهجمات العسكرية الاسرائيلية المتعاقبة على القطاع في الأعوام ما بين 2008ل2009 ، 2012 و 2014.

كما تحتفظ إسرائيل بسيطرتها الفعلية على مداخل ومخارج القطاع ومجالها الجوي والبحري، كما تتحكم بسجّلات السكان وشبكات الاتصال والبنية التحتية وكافة مناحي الحياة الآخرى.

بالإضافة إلى ذلك، تقوم اسرائيل بتحديد للثروة الحيوانية والمواد الغذائية في القطاع وتلويث لمصادر المياه في سياسة تجويع ممنهجة لإضعاف السكان مع عدم وجود أي إمكانية للوصول للإكتفاء الغذائي الذاتي. وبالتالي إجبار السكان على الخضوع لها أو المغادرة. حيث عملية حساب السعرات الحرارية أصبحت الأداة الأفضل بيد الاحتلال للتحكم بسكان القطاع.

وفقاً لرامي عبده، مدير المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، فإن الاعتداءات الاسرائيلية والحصار طويل الأمد المفروض على القطاع كان لهم تأثيرات مدّمرة على البنية التحتية الفلسطينية الهشة أصلاً. حيث أن الأزمة في غزة هي من صنع اليد البشرية.

"السماح لغزة أن تواصل الغرق في طيّات النسيان، ما هي إلا سياسة، مصممة من قبل اسرائيل، ومدعومة من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي"يقول عبده.

بعد مرور عام على انقضاء الحرب، لم يتغير شئ بالنسبة للفلسطينين في غزة سوى مزيد من الدمار لهذا القطاع الساحلي المحاصر.

العديد من السكان قد كرروا هذا الرأي، مضيفين مسؤولية المجتمع الدولي عن السماح لإسرائيل بالمرور دون محاسبة عن جرائمها المتكررة وتهويدها للأراضي الفلسطينية.

من ناحية أخرى، ترى الدول أن ثماني أعوام من الحصار غير القانوني قد دمّر النسيج الاجتماعي في غزة.

المجتمع الدولي،يقول الغزيّون، قد أعطى لإسرائيل المبررات لمساواة اللحم البشري بالعشب.

خطة الأمم المتحدة الأخيرة لإعادة الإعمار والتي رُفضت من قِبل الفلسطينين، كانت تهدف لحماية مصالح الاحتلال والمحافظة على استمرارية الحصار، إلى جانب زيادة نفوذ وسيطرة الأمم المتحدة على حساب حقوق الفلسطينين وتقريرهم لمصيرهم.

يبدو أن غزة المعزولة تحت وطأة الحصار والمتصارعة مع التبعات المؤلمة للعدوان غارقة في يأسها الخاص. على الجانب الآخر، فشلت اسرائيل في تحقيق شرعية لتصعيدها العسكري، أو أي احتمال لنجاح عسكري.

يقول مسؤولون في حماس أنهم يرغبون في حل طويل الأمد ويطالبون برفع الحصار عن قطاع غزة. مما سيؤدي لتحرير القطاع وتعريض اسرائيل للمحاسبة القانونية.

وفقاً لتعبير الكثير من السكان، وعلى الرغم من الضربات التي تعاني منها جراءّ العنف والحرمان الاقتصادي، فإن "شجاعة وروح غزة" ستبقى عالقة في أذهان المحتل والمجتمع الدولي كذكرى بأن "غزة هي قلب المقاومة والقومية الفلسطينية".

"سبعة عقود من التطهير العرقي الاسرائيلي لم يبقِ لهم (للغزييّن) أي خيار سوى الصراع للنجاة، والمقاومة والصمود على أرضهم" يقول وسام العفيفي، رئيس تحرير صحيفة الرسالة.

نشرت في موقع الجزيرة باللغة الإنجليزية