المقترح الفرنسي وصفة جديدة لتصفية القضية

الرئيس الفرنسي هولاند مع رئيس السلطةمحمود عباس
الرئيس الفرنسي هولاند مع رئيس السلطةمحمود عباس

الرسالة- محمود هنية

تدحرجت مواقف الساسة الأوربيين حول استئناف عملية السلام عن طريق مقترح المشروع الفرنسي شيئًا فشيئًا، لتبدو أكثر وضوحا بعد أن كشف عن حجم التنازلات التي صاغها الأوروبيون بغطاء أخضر امريكي، وموافقة من السلطة.

ليس ثمة ما يدلل على ذلك أقوى من تصريحات رئيس السلطة محمود عباس التي أعلن خلالها ترحيبه بالمبادرة الفرنسية، لينسف بذلك تصريحًا سابقًا له قال فيه إن القضية بحاجة الى تنفيذ ما تم الاتفاق عليه من مبادرات سابقة دون الحاجة لإبرام اتفاقات جديدة.

لكنّ المريب وفق تقديرات مراقبين إصرار السلطة على تمويه المشروع، وكأنه ما زال في طور البدايات، برغم التوصل الى صياغات مكتوبة، طبقًا لما أكدته مصادر قيادية لـ  من داخل منظمة التحرير.

 تنازل عن الحقوق

وبالنظر إلى فحوى المشروع تتضح ملابسات الموقف، فلم يكن بعيدًا عن مشروع السلطة الذي قدمته لمجلس الامن عام 2014م، مع الأخذ بالنظر الاعتراضات (الإسرائيلية) على بعض النصوص الجوهرية الواردة فيه.

وكشف مصدر قيادي لـ، أن القرار يتضمن إقرار مشروع القدس الشرقية عاصمة للدولتين، مع حق حرية الوصول الى العبادة، بالإضافة لإقرار مبدأ تبادلية الأراضي من حيث القيمة دون الإشارة إلى الحجم أو النسبة الموافق عليها.

وينص القرار على معالجة قضية اللاجئين ضمن حل "عادل"، دون الاستناد الى قرار مجلس الأمن رقم 194، مع إقامة دولة منزوعة السلاح، وأن تكون حدود الدولة قد أخذت بالحسبان مبدأ تبادلية الأراضي.

خطورة ما ينطلي عليه هذا المشروع، يوضحه القيادي في منظمة التحرير طلال أبو ظريفة، الذي قال "للرسالة"، إن الموافقة على هذا المشروع تعني عمليًا الموافقة الفلسطينية على شطب كل قرارات الشرعية الدولية التي أعطت الفلسطينيين حقوقًا باسترداد أراضيهم المحتلة، وحل قضية اللاجئين على مبدأ حق عودتهم الى أراضيهم، وسيعتبر هذا المشروع هو السقف الأعلى لحلول قضايا الصراع العربي الاسرائيلي.

وأضاف "وهذا يعني السماح بضم الكتل الاستيطانية الكبرى، التي تستحوذ على المناطق المهمة في الضفة وتسيطر على حوالي 40% من مقدراتها الاستراتيجية".

يذكر أن مشروع السلطة الذي قدم إلى مجلس الامن العام الماضي، يحمل موافقة على مبدأ التوافق لكن مقابل نسبة!، رغم أن المعروض اسرائيليًا للتبادل هي منطقة صحراء النقب، لقاء مستوطنات الضفة ومرج ابن عامر ومناطق بالقدس الشرقية بما في ذلك تلك التي يسكن فيها حاليًا فلسطينيون.

وأكدّ أبو ظريفة أن هذا الامر يفرض ضمنيًا مفهوم الاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية، ويعطي موافقة فلسطينية لعملية تهجير وترحيل لفلسطينيي الداخل، موضحًا أن مبدأ التبادلية موجود لدى السلطة منذ اتفاق واي ريفر عام 1996م.

 تخلي عن حق العودة

أمّا عن مقترح حل اللاجئين فهو يفتح سيناريوهات شطب حق العودة، وفتح خيارات التعويض والتهجير أو العودة إلى دولة فلسطينية مزعومة، وهو يعني التلاعب بتقرير المصير، كما يقول أبو ظريفة.

هذا عدا عن التوافق الفرنسي السلطوي إزاء توصيف مدينة القدس على انها عاصمة موحدة للفلسطينيين والإسرائيليين معًا، وهو يعني تنازلًا جوهريًا عنها بعد تنازلها عن قضية اللاجئين، وفق أبو ظريفة.

لكن مسؤولا آخر في منظمة التحرير، قال إن هناك قرارًا بإرجاء تقديم هذا المشروع، لأسباب تتعلق بعدم الانتهاء من جهوزية تشكيل حكومة الاحتلال وعدم استقرار ظروفها الداخلية، فضلًا عن عدم وجود اجماع أوروبي على القرار الفرنسي.

ووفقًا لتقديرات سياسية، فإن هذا المشروع جاء بعد تجميد توجه لجنة المتابعة العربية الى مجلس الامن لاستئناف المفاوضات لمدة عامين، وهو ما يفتح تفسيرًا حول كيفية اعداد هذه المشاريع، في وقت أعلنت فيه دول عربية مثل الأردن عن خشيتها من وجود قنوات سرية تفاوضية بين السلطة والاحتلال كما حصل إبان اتفاق اوسلوا.

وأكدّ المصدر إن هناك موافقة إسرائيلية مبدئية عليه، والاشكالية تكمن في كيفية الوصول الى صياغة هذه التسوية بين الطرفين، مشيرًا إلى وجود حراك "غير معلن" بين السلطة والمعنيين بالأمر من المجموعة العربية لمتابعة عملية السلام، من اجل الوصول الى صيغة يتم التفاهم عليها بين الطرفين وتعرض على الجامعة العربية لاحقًا كي تتبناها.

موافقة على يهودية الدولة

وفي ذات السياق اعتبر فايز أبو شمالة، اعتراف او موافقة السلطة على هذا المشروع بمنزلة موافقة صريحة بيهودية دولة إسرائيل، مشيرًا إلى أنه أخذ المطالب الإسرائيلية على المشروع المعدل الفلسطيني الذي قدم لمجلس الامن.

وعزا أبو شمالة في حديثه لـ، موافقة السلطة على هذا القرار، خشية انفلات الأوضاع من يد عباس، ومحاولة من الإقليم لاحتواء الموقف السياسي في الأراضي المحتلة، إضافة لعدم إيجاد فراغ سياسي في الوقت الراهن، عدا عن رغبتهم استمرار طاولة المفاوضات.

وبدا واضحًا صمت حركة حماس إزاء هذا المشروع، إذ تشير تقديرات الموقف السياسي، بأن الحركة لم تعد آبهة بخطوات السلطة السياسية، لرغبتها سحب البساط من تحتها والبدء بخطوات فعلية تساعدها "في قلع شوكها بيدها".

وفضلت قيادات من حماس عدم التعليق على هذا المشروع، بينما اكتفى احد قادتها بالقول "حماس لن تبقى في دائرة الرد والتأثير، وستسعى بمساندة فلسطينية فصائلية لسحب البساط من تحت عباس، وتدفعه للتخلي عن سياسة التفرد".

أمّا أبو ظريفة فهدد حال موافقة عباس على هذا المشروع، بدراسة الموقف مع باقي قوى اليسار، لوضع حد لتفرد عباس، منبهًا إلى أن الرجل لم يلتزم بتطبيق ما طلب منه في المجلس المركزي والعمل على انهاء حالة التنسيق الأمني وعدم العودة الى المفاوضات بهذه الرؤية.

وبمعزل عن إمكانية تحقيق اختراق في مواقف الفصائل تجاه عباس، لكنّ المريب بحسب المراقبين هو الحملة الإعلامية التي تقودها حركة فتح عبر عدد من محلليها ومواقعها، التي تحاول من خلال الترويج لهذا المشروع وكأنه مخلص لها ولأزماتها برغم ما يحمله من مخاطر جمة.