قد كان مفاجئاً أن تزامن بتركيز وسائل الإعلام الصهيونية بشكل خاص على نشر ما سربته المؤسسة الأمنية الإسرائيلية مؤخراً بشأن عودة القائد العام لكتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس للعمل، وتشديدها على أنه نجا من محاولة الاغتيال التي تعرض لها خلال الحرب الأخيرة.
وقد جاء الاهتمام بهذا الخبر ضمن تحرك أشمل أقدمت عليه المؤسسة الأمنية في تل أبيب وتمثل في تسريب معلومات لوسائل الإعلام المحلية مفادها أن حركة حماس في ذروة استعداداتها للمواجهة القادمة، حيث عادت لحفر الأنفاق بشقيها الهجومي والدفاعي وأن جهازها العسكري استعاد كفاءته في انتاج الصواريخ.
وحسب هذه التسريبات، فإن قسم التصنيع في "كتائب القسام"، انتج عشرات الصواريخ، التي يتم إطلاقها بشكل تجريبي يومياً لكي يتم التعرف على طول مداها. وقد ترافقت هذه التسريبات مع عرض قنوات التلفزة الإسرائيلية لمواد بصرية تظهر قيام "كتائب القسام" بتدريبات عسكرية على بعد مئات الأمتار من المستوطنات اليهودية التي تقع شرق الخط الحدودي الفاصل بين (إسرائيل) والقطاع.
فقد عرضت قناة التلفزة الإسرائيلية العاشرة الخميس الماضي تقريراً من قلب مستوطنة "نتيف هعسراه" التي تعتبر أقرب المستوطنات من حدود القطاع، حيث ظهر عناصر "كتائب القسام" يقومون بتدريبات بالنيران الحية في معسكر تدريب مجاور.
وقد عبر المستوطنون في المكان عن مشاعر الرعب من تواصل التدريبات التي يرقبونها من شرفات منازلهم.
وهناك ما يدلل على أن الجيش الإسرائيلي ومن خلال اغراق وسائل الإعلام الإسرائيلية بهذا القدر من المعلومات حول الأنشطة العسكرية لحركة حماس يرمي إلى الضغط على المستوى السياسي في تل أبيب للتجاوب مع المبادرات الدولية والإقليمية التي تهدف للتوصل لتهدئة طويلة الأمد مقابل رفع الحصار عن القطاع.
ويرى بن كاسبيت، المعلق العسكري لصحيفة "معاريف" أن الجيش الإسرائيلي من خلال الكشف عن نجاة الضيف والتأكيد على عودته للعمل أراد إحراج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ودفعه لقبول التهدئة. ففي مقال نشرته الصحيفة الأربعاء الماضي، نوه كاسبيت إلى أن الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية قد قدمت قبل عدة أشهر تقريراً شاملاً حول عدم مقتل الضيف وعودته للعمل للقيادة السياسية الإسرائيلية، إلا أن نتنياهو رفض السماح بنشر هذه المعلومات حتى لا تؤثر على نتائج الانتخابات الإسرائيلية.
وأوضح كاسبيت أن نتنياهو خشي أن يتم استغلال هذه المعلومات من قبل خصومه لتقديم دليل آخر على فشل الحرب على غزة.
وقد حرص جنرالات متقاعدون ومعلقون صهاينة معروفين بارتباطهم بالمؤسسة العسكرية على الترويج لفكرة التوصل لتهدئة مع حماس بشكل واضح.
فقد شدد الجنرال آفي بنياهو، الناطلق الأسبق بلسان الجيش الإسرائيلي على أن "السلام الاقتصادي"، القائم على رفع الحصار عن قطاع غزة هو الذي يكفل فقط عدم تفجر مواجهة جديدة مع حركة حماس.
وفي مقال نشرته صحيفة "معاريف" في عددها الصادر اليوم الأحد، نوه بنياهو إلى أن تحسين الأوضاع الاقتصادية يعد شرطاً لمنع اندلاع مواجهة لأنه يعني أنه سيكون لدى حماس والأهالي في قطاع غزة ما يخسرونه في حال تفجرت مثل هذه المواجهة.
وهناك من رأى في تحقيق تهدئة في قطاع غزة مصلحة شخصية لنتنياهو. فقد اعتبر عاموس هارئيل، المعلق العسكري لصحيفة "هارتس" أن التوصل لتهدئة مع حركة حماس هي الآلية التي تضمن لنتنياهو أن يقدم حرب غزة الأخيرة كانجاز له.
وفي تحليل نشرته الصحيفة الجمعة الماضي، نوه هارئيل إلى أنه سيكون بإمكان نتنياهو عرض الهدوء الأمني على جانبي الحدود بعد التوصل للتهدئة للجمهور الإسرائيلي على أنه نتيجة مباشرة للحرب على غزة.
وأوضح هارئيل أنه بإمكان (إسرائيل) أن تعيد تقييم موقفها الرافض لتدشين ميناء في غزة تحت إشراف دولي ضمن أية تسوية بينها وبين حركة حماس.
وأشار هارئيل إلى أن تهدئة مع حماس ستساعد نتنياهو على محاصرة خطوات السلطة الفلسطينية في المحافل الدولية، وتدلل للعالم على أن (إسرائيل) تقدم على خطوات جوهرية بشأن العلاقة مع الفلسطينيين.
وشدد هارئيل على أن تهدئة مع حماس ستساعد (إسرائيل) على مواجهة التهديدات في الجبهة الشمالية، سيما في ظل زيادة احتمال اندلاع مواجهة مع حزب الله.
لكن هناك في (إسرائيل) من يشير إلى العوائق التي تعترض التوصل لتهدئة مع حماس. فوزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان يصر على أن حزبه "يسرائيل بيتنا" لن ينضم للحكومة الجديدة التي يشكلها نتنياهو في حال لم يتم تضمين البرنامج السياسي لها بنداً ينص على التزام الحكومة بإسقاط حكم حركة حماس.
في الوقت ذاته، فأن هناك من يرى أن اتفاق تهدئة مع حماس سيؤثر على العلاقة مع السلطة الفلسطينية. في الوقت ذاته، فإن هناك مخاوف في تل أبيب من أن يؤثر مثل هذا الاتفاق على العلاقات الإستراتيجية مع نظام السيسي في مصر.